آخر تحديث: 17 / 4 / 2021م - 11:12 م

صدمة التعايش

محمد أحمد التاروتي *

هل تمثل التوقعات بانتشار الفيروس المتحور البريطاني على المستوى العالمي اعترافا بالهزيمة؟ ام يعتبر نوعا من المكاشفة والشفافية من قبل الجهات الطبية؟ ام يشكل جرس انذار لوضع اليات واستراتيجيات مغايرة للتعاطي مع الفيروس القاتل؟

هذه التساؤلات وغيرها تمثل الشغل الشاغل للكثير من الناس، نظرا لتنامي الإصابات في الموجة الثانية، التي تضرب الكثير من الدول العالمية، مما يستدعي التحرك الجاد لايجاد الوسائل الكفيلة، للحد من انتقال العدوى بين الدول، لاسيما وان السلالة الأولى التي اكتشفت في الصين أواخر 2019، انتشرت في الدول كانتشار النار في الهشيم، بحيث ساهمت في القضاء على الكثير من الأرواح.

الأمانة العلمية تفرض على المراكز العلمية التعاطي بشفافية، ونقل الحقائق بشكل دقيق، خصوصا وان حجب الحقيقية يؤثر سلبا على الحياة العامة، الامر الذي يفرض وضع الأمور في النصاب الصحيح، خصوصا وان اثر الصدمات يكون اثرها مؤقتا، واقل ضررا من إخفاء الحقائق، نظرا للاثار المترتبة على تزييف الحقائق، ومحاولة رسم الصورة الوردية، وبالتالي فان احداث الصدمة يولد حالة من الفزع المؤقت، بيد ان البشرية قادرة على امتصاص تلك الصدمات تدريجيا، بالإضافة لذلك فان وضع البشرية في الصورة الحقيقية، يشكل محفزا للتعاطي بمسؤولية، والابتعاد عن الاستهتار والتهاون، لاسيما وان الكثير من الممارسات خلال الفترة الماضية، ساهمت في تزايد اعداد الإصابات، جراء عدم التعامل بحذر مع خطورة الفيروس، مما انعكس على الارتفاع الكبير في الإصابات.

المخاوف من احتياج السلالة الجديدة المكتشفة في مقاطعة ”كينت“ البريطانية، مرتبطة بالقدرة الفائقة للفيروس على الانتشار السريع، لاسيما وان الفيروس استطاع الدخول لاكثر من 50 دولة في غضون اشهر قليلة، حيث اكتشف للمرة الأولى في سبتمبر 2020، مما يعزز المخاوف من ارتفاع ضحايا الفيروس في الفترة القادمة، بالإضافة لذلك فان اللقاحات المستخدمة ما تزال تثير ازمة سياسية لدى العديد من الدول، نظرا لفشل الشركات المنتجة في الوفاء بالمواعيد المحددة سلفا لتسليم الدفعات، وفقا للجدول المنصوص عليه في الاتفاقيات المبرمة، الامر الذي دفع الكثير من الدول لتأجيل إعطاء الدفعات الثانية، والبعض الاخر اتخذ قرارا بالاكتفاء بالجرعة الأولى بشكل مؤقت.

قدرة السلالات المتحورة على الانتشار السريع، يمثل تحديا حقيقيا للبشرية في المرحلة القادمة، خصوصا وان الجائحة أدخلت البشرية في وضع استثنائي، جراء الإجراءات الاحترازية المتخذة، لوقف زحف الفيروس في الكثير من الدول، الامر الذي انعكس على الحركة الاقتصادية والتجارية العالمية، نظرا لتعطيل سلاسل الامداد، واغلاق الكثير من الخطوط الدولية، مما ساهم في تكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة، بحيث برزت على شكل افلاس الكثير من الشركات الكبرى في غضون اشهر قليلة، فضلا التداعيات النفسية والاجتماعية، التي تركها الفيروس على البشرية، منذ اكتشاف الفيروس في الصين أواخر 2019.

الاعتراف الهزيمة ورفع الراية البيضاء امام الفيروس ليس واردا على الاطلاق، فالجهود المبذولة في مختلف المجالات، والعمل الدؤوب في المراكز البحثية، والإجراءات الاحترازية المتخذة، عناصر أساسية للتعاطي بمسؤولية كاملة مع ”العدو المشترك“، وبالتالي فان الحديث عن الإقرار بالهزيمة ليست دقيقا على الاطلاق، فقد اثبتت البشرية على الدوام قدرتها في تجاوز المحن، والعمل على وضع نهايات سعيدة لمختلف الازمات الصحية، حيث تمكنت من انتشال البشرية من الأوبئة الكثيرة التي عرفتها، ولعل ابرزها الانفلولنزا الاسبانية، التي ساهمت في القضاء على الكثير من البشرية، في بدايات القرن التاسع عشر.

المرحلة الحالية تفرض مزيد من التكاتف، والعمل على إنجاح الجهود الساعية، لخروج البشرية من امتحان فيروس كورونا، باعتباره التحدي الصحي الأكبر، الذي يلقي بظلاله الثقيلة على مختلف الدول العالمية، حيث تمثل اللقاحات الامل المتاح حاليا، نظرا لعدم وجود خيارات أخرى، اكثر قدرة على وقف زحف الفيروس في الأجساد، مما يستدعي التحرك الجماعي باتجاه تحقيق الانتصار، والحرص على حماية الأرواح من الوقوع في براثن ”القاتل الخفي“.

كاتب صحفي