آخر تحديث: 17 / 4 / 2021م - 11:12 م

اسر العقول

محمد أحمد التاروتي *

تحرير العقول من القيود التي تفرضها بعض التقاليد الاجتماعية، والرواسب البشرية، عملية اساسية للانطلاق والابداع في شتى المجالات، فالرفض العقلاني لتلك القيود الاجتماعية، يدفع باتجاه التفكير خارج الصندوق، مما ينعكس في الكثير من القرارات المصيرية، سواء على الصعيد الشخصي او الاجتماعي، لاسيما وان ”الرضوخ للاملاءات“ يعرقل المسيرة الفكرية، جراء سيطرة الاخر على الكثير من القرارات، وبالتالي فان الانفكاك من القيود المادية والمعنوية، حالة ايجابية على الصعيد الاجتماعي.

المطالبة بتحرير العقول لا تتناقض مع التعامل بحذر في شتى المجالات، فهناك فرق شاسع بين التهور والتعقل في مختلف مناحي الحياة، فالاول يدفع صاحبه للتهلكة والدخول في مصادمات كثيرة، جراء رفض الكثير من القيود الاجتماعية جملة وتفصيلا، دون التفريق بين الصالح والطالح، انطلاقا من قناعات تقوم على الرفض الشامل وغير المتوازن، ومحاولة كسر القواعد الاخلاقية الحاكمة، الامر الذي يستدعي ضبط عملية التحرر العقلي، وعدم اطلاق العنان لحالة الرفض بشكل كامل، فيما الثاني ”التعقل“ يدفع باتجاه الاختيار الصائب، وعدم الانجرار وراء الضغوط الاجتماعية، خصوصا وان الكثير من القيود الاجتماعية تمنع العقول عن الانطلاق، وتعرقل مسيرة رسم مسارات خاصة في طريق الابداع، وبالتالي فان التحرك الواعي عامل اساسي وضع العقول في المسارات الصائبة، واتخاذ القرارات المناسبة، بعيدا عن الانفعالية والفوضوية في كافة الشؤون الحياتية.

عملية تحرير العقول ليست قرارات ارتجالية، ولكنها مسيرة تراكمية، وممارسة عملية على ارض الواقع، فالثقافة السائدة تلعب دورا محوريا في توجيه العقول بالاتجاهات الصائبة، خصوصا وان المجتمعات ”المغلوبة“ على امرها، ليست قادرة على التفكير خارج قرارات ”السيد“، سواء نتيجة الثقافة السائدة القائمة على مبدأ ”السمع والطاعة“، او بسبب الخشية من التعرض لاقسى العقوبات، والدخول في معركة خاسرة، ومحسوبة النتائج سلفا، الامر الذي يحرم البيئة الاجتماعية من التفكير الحر، ومنع بدء مرحلة مغايرة تماما عن القواعد الاجتماعية السائدة، لاسيما وان الخروج عن المألوف ليس مرفوضا على الاطلاق، بقدر ما يكون ضرورة ملحة في بعض الاحيان، مما يستدعي خلق البيئة المثالية القادرة، على تحريك العقول بالاتجاه المعاكس، والعمل على رفض التسليم للواقع البائس.

اسر العقول مرض عضال بحاجة الى امصال قوية للقضاء عليه، بيد ان اكتشاف تلك الادوية مرهون بالارادة، والعمل على تجاوز كافة العراقيل والصعاب، خصوصا وان الحركة المضادة لمسيرة تحرير العقول، تتطلب الكثير من الصبر والعمل، على مواجهة مختلف اشكال الافخاخ، التي ينصبها ”فريق الاذلال“، لاسيما وان الخروج من تحت العباءة يمثل خسارة كبرى، ويدخل البيئة الاجتماعية في مرحلة جديدة، ومختلفة تماما، مما يحفز للدفاع عن المصالح حتى الرمق الاخير، بمعنى اخر، فان تحرير العقول صراع حقيقي بين امتلاك القرار، وارتهانه لدى الاخر، فكل طرف يحاول تسجيل النقاط على حساب الاخر، بحيث يبرز الصراع في الكثير من المواقف، والعديد من المناسبات، من خلال اتخاذ القرارات المعاكسة، بهدف احداث اختراقات حقيقية في طريقة التفكير، والعمل على رسم مسارات محددة للمرحلة القادمة، فالتنازل يمثل الخطوة الاولى للاقرار بالهزيمة، والانسحاب من الساحة بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

احترام المرء لطريقة تفكيره يمثل الخطوة الأولى، لازالة رواسب ”القيود الاجتماعية“، فالانسان الذي يتحرك باتجاه الاستقلالية، وعدم الرضوخ للقرارات ”الاجبارية“، سيكسب الاحترام من البيئة الاجتماعية، جراء القدرة على التحرك بعيدا عن قاعدة، ”لا تفكر ودعنا نفكر عنك“، فهذه القاعدة تعطل العقول، وتجعله اسيرا لارادة الاخر، وبالتالي فان اكتساب الاحترام ينطلق من احترام الذات، والقدرة على التعامل الحذر مع القيود الاجتماعية، بما يعود على الذات بالاحترام، والمجتمع بالفائدة المرجوة.

كاتب صحفي