آخر تحديث: 17 / 4 / 2021م - 11:12 م

ثقافة البيئة

محمد أحمد التاروتي *

تدمير البيئة احدى الامراض الاجتماعية، الناجمة عن طبيعة الثقافة السائدة، فالسلوك التخريبي مرتبط بمنظومة الأولويات، لدى الفرد في الممارسات اليومية، بحيث تبرز على انماط متعددة ووسائل مختلفة، خصوصا وان المحركات القيمية لاعب فاعل في توجيه الفرد، صوب الاهتمامات ذات العلاقة بالتفاعل مع المحيط الخارجي، فاذا كانت تلك المحركات ايجابية فانها تحافظ على المحيط البيئي السائد، من خلال وضع الكثير من البرامج، واطلاق المزيد من المبادرات، نظرا لاهمية تكريس هذه الثقافة في الوجدان الاجتماعي، نظرا للاثار الكارثية الناجمة عن العبث بالحزام البيئي، سواء من خلال زيادة رقعة التصحر، او نتيجة سيطرة العداء غير المبرر تجاه الطبيعة، الامر الذي يتجلى في الممارسات المختلفة، تحت مبررات بعضها مرتبط بالاطماع الذاتية، والبعض الاخر ناجم عن انخفاض منسوب الوعي.

تكريس الثقافة البيئة عنصر أساسي، في وضع الامور في النصاب السليم، فالمحركات الاجتماعية تقطع الطريق امام المحاولات العبثية، التي تمارسها بعض الفئات ”التخريبية“، لاسيما وان النظرة الاحتقارية لكافة الاعتداءات على البيئة، تخلق مناخا ايجابيا في تحريك الفرد في الاتجاه الاخر، فيما النظرة ”التشجعية“ والتفاخرية بحق تدمير البيئة، تدفع باتجاه مزيد من التخريب، والتوسع في حرمان الانسان، من التمتع بمزايا المساحات الخضراء، وبالتالي فان الثقافة البيئة تعتمد على التفاعل سواء كان ايجابيا او سلبيا، الامر الذي يفسر انحسار الكثير من الممارسات التخريبية، لدى بعض المجتمعات البشرية، وتفاقمها لدى بعض الاوساط الاجتماعية الاخرى، فالعملية مرتبطة بمدى التقبل، وكذلك مستوى التعاطي مع الممارسات التخريبية.

وجود الرادع الاجتماعي يحرك بعض النفوس ”الخاملة“، باتجاه التفاعل مع المبادرات، والبرامج الداعمة للثقافة البيئية، خصوصا وان البعض بحاجة الى تشجيع للانخراط في المسلك الفاعل، سواء نتيجة الافتقار الى الرؤية الواضحة، تجاه الحفاظ على البيئة، او بسبب عوامل خارجية اخرى، وبالتالي فان وجود المحرك الاجتماعي يحدث الاثر الكبير في النفوس، لدى بعض الفئات ”المترددة“ او المتفرجة، الامر الذي يتمثل في بروز الصيحات الداعمة لمختلف الدعوات الساعية، للحفاظ على الحزام البيئي، والعمل على وضع اللبنات الأساسية، لبناء المنظومة الثقافية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية.

عملية البناء الثقافي للحفاظ على البيئة، تتطلب الكثير من الجهد، والعمل على ازالة رواسب ”اللامبالاة“، الممارسة لدى بعض الفئات الاجتماعية، فالحفاظ على البيئة جهد جمعي وليس عملا فرديا، مما يستدعي ايجاد الاجواء المساندة، لمختلف التحركات التفاعلية على الاطار الاجتماعي، وبالتالي فان التحرك المدروس يلعب دورا أساسيا، في وضع النقاط على الحروف، وخلق المناخ المساند بشكل عام.

مؤسسات المجتمع المدني تشكل احدى الحلقات الأساسية، في عملية تكريس ثقافة البناء البيئي، فهذه المؤسسات تمتلك القدرة على رسم مسارات قادرة، على صناعة محتوى إيجابي، لدى العديد من الفئات الاجتماعية، انطلاقا من قدرتها على اختراق مختلف الشرائح العمرية، مما يساعد في لعب دور حيوي وإيجابي، على المدى المتوسط والبعيد، خصوصا وان عملية البناء الثقافي ليست مرتبطة بحقبة زمنية قصيرة، ولكنها تستهدف رسم ثقافة قادرة على تحديد الهدف السامي للعقود الماضية، بحيث تشكل احد الحلقات الاساسية في تكريس ثقافة البيئة في المجتمع.

ثقافة البيئة لا تقل اهمية عن مختلف المبادرات الاخرى، فالمجتمعات الحريصة على تفعيل الثقافة الايجابية، تتحرك بالاتجاهات المختلفة التي تصب في خانة البناء الجمعي، باعتباره الوسيلة المناسبة لمحاربة مختلف اشكال العمليات التدميرية، فيما يتعلق بالجانب البيئي، بمعنى اخر، فان التركيز على العنصر البشري يساعد في رسم طريق واضح للاجيال القادمة، فالثقافة التي يحملها الانسان تحدد السلوك اليومي، فاذا كانت ايجابية فانها تنير الدرب على الدوام، فيما سيتكون الثقافة السلبية وبالا على الاجيال القادمة، من خلال ابراز الجانب المظلم من السلوك الإنساني، عبر انتهاج الثقافة التدميرية، وتخريب البيئة المحيطة، بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

كاتب صحفي