آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

الأزمة السورية وعبثية النظام

محمد الحرز * صحيفة الشرق

الأزمة السورية أصبحت تشكل منعطفا خطيرا في تحولها إلى ذريعة في تصفية كل القضايا العالقة في تاريخ الأمة العربية من نزاعات وحروب طائفية وسياسية، واستعمارية، ودولية، إنها البؤرة التي تلتقي فيها جميع المسارات التي انتهت إليها السياسة الإقليمية والدولية.

النظام السوري وخلفه قوى الممانعة استطاع أن يحول مسار انتفاضة الشعب السوري إلى مسار طائفي، تلعب القوى التكفيرية فيه الدور الأبرز، وهو مسار استثمره النظام سابقا في العراق إبان الاحتلال الأمريكي، ونجح فيه بصورة كبيرة، حين دعا إلى مقاومة شعبية، فأرسل عدداً من المتطوعين وشرع للعمليات الانتحارية، وحرب الشوارع ضد الأمريكان، وها هو الآن يعيد الاستثمار نفسه.

لكن هذه المرة داخل الأراضي السورية، وبالضد من الروايات التي يتناقلها الإعلام الرسمي للنظام، وكذلك لأعوانه في المنطقة التي تروج أن المنتفضين ضد النظام ليسوا سوى تكفيريين وظلاميين، وأن هناك قوى دولية وإقليمية تتآمر على سوريا وعلى وقوى الممانعة في المنطقة، وهي التي تسهل دخول هؤلاء وتؤمِّن لهم المساعدات العسكرية واللوجستية. فمن يحاول أن يقنع نفسه بهذا الكلام، كمن يضيء غرفة واحدة من غرف المنزل المظلمة، كي يرى حدود هذه الغرفة فقط.

مشكلة النظام السوري أنه استنفد جميع خياراته الاستراتيجية التي كانت بالأساس تعتمد على الصراع العربي الإسرائيلي، وهو صراع لم يعد يشكل محورا أساسيا، على الأقل في اللحظة الراهنة، في تقوية مركزه الإقليمي والدولي، فمنذ خروج العدو الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، ومن ثم خروجهم أي السوريين من لبنان بقرار مجلس الأمن 1559، أصبح اعتماده أكثر على حلفائه الإيرانيين.

وعندما حاول أن يقدم تنازلات كبيرة خصوصا في مجال التعامل الاستخباراتي مع أمريكا ضد موجة الإرهاب التي ضربت الدول الكبرى، وأن يتعاون بشكل كبير في ضبط حدوده مع العراق، لمنع المتسللين إليها فإن كل هذه التنازلات التي أرادت منها سوريا أن تكسب أوراقا سياسية للتفاوض مع أمريكا، لم تكن في وارد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وبالتالي يمكن أخذها بعين الاعتبار، حيث تقرر مسبقا أن هذا النظام لا يمكن أن يكون محورا أساسيا فيما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير. لقد انتهت صلاحيته بالأحرى.

وإذا أضفنا إلى ذلك قدرة النظام البعثي وتمرسه تاريخيا على إيجاد وتأسيس جماعات إرهابية تقوم باغتيالات وتفجيرات، وخلق توترات في المنطقة، وما شهدته حقبة السبعينيات والثمانينيات من تاريخ المنطقة، من موجة اغتيالات وحروب تارة باسم القضية الفلسطينية، وتارة باسم العروبة أو الاشتراكية، كان النظام له يد طولى في تحريك هذه الموجة من هنا وهناك.

لأجل ذلك من يقرأ تاريخ هذا النظام، فهو يدرك تماما قدرته على تجييش كل السبل والطرق، حتى يحافظ على بقائه في السلطة، وأيضا يدرك تماما أن جميع أوراقه التي يلعب بها قد احترقت، ولم يتبق له سوى اللعب على وتر الطائفية.

وإذا كانت المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من هذا النوع من اللعب، حيث يكفيها ما عانته في تاريخها البعيد والقريب، بسبب الصراع الطائفي، فإن اللعب على هذه الورقة يخدم جميع الأطراف الأساسية اللاعبة في المنطقة.

أولاً - لم يكن لأزمة الشعب السوري أن تؤول بهذه الكيفية أو بهذه الوحشية، بسبب النظام وشبيحته من جهة، وقساوة التكفيريين وتطرفهم من جهة أخرى، لولا أن النظام سعى منذ البداية، لاستغلال تطرف هؤلاء وقتلهم للناس على الهوية، وخلط أعمال هؤلاء بنابل ما ترتكبه شبيحته من مجازر وحشية.

ثانياً - لم يكن تلكؤ أمريكا في التدخل في سوريا ناتجا من ممانعة روسية أو صينية فقط، بل إن العامل الأقوى هو أن النظام أصبح يحارب الإرهابيين والتكفيريين بالنيابة عن القوى العظمى وأيضا نيابة عن إسرائيل، فالمفارقة العبثية التي يقوم بها النظام هو أنه يرتكب مجازر ضد الأبرياء باسم الإرهابيين والتكفيريين، وفي الوقت نفسه يلاحق هؤلاء ويقتلهم باسم حماية الشعب السوري. وفي جميع الأحوال من يضبط إيقاع العملية برمتها هما المستفيدان منها، أمريكا وإسرائيل، وليست الغارات الإسرائيلية الأخيرة سوى أحد ضوابط هذا الإيقاع.

قد يتساءل أحدهم، في هذه الحالة ما دور إيران، وذراعها العسكرية حزب الله وفق هذا التحليل؟ أمن المعقول أن يكونوا متواطئين بهذه الكيفية أو تلك؟

بالتأكيد الملف السوري عند الإيرانيين أو الروس أو الصينيين لا يشكل الموقف الاستراتيجي في العلاقات الدولية، بل هو ورقة ضغط واحدة من مجموعة أوراق عديدة بيد هؤلاء تستخدم في اللعبة السياسية وفي التفاوض، على سبيل المثال الملف النووي عند الإيرانيين، وهكذا لا يمكن عزل هذا المنظور الاستراتيجي لتلك الدول، وحصر مواقفها فقط من الأزمة السورية، ينبغي على المتعاطفين من كلا الطرفين أن ينظروا إلى الكأس وهي مملوءة بالماء، لا إلى نصفها. لأن الخاسر الأكبر في كلتا الحالتين هو الشعب السوري الأعزل وحده.. ووحده فقط.