آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 7:33 ص

الفوتغرافيا في شعر المعاتيق

ياسر آل غريب *

ليس بالشعر وحده يحيا الشاعر؛ فثمة علوم وفنون ومهارات تؤثر على تخطيط القصائد وتقديمها كمنجز تكاملي، سواء كان بقصد الشاعر أو كان بمنهج خفي. ويدخل ضمن هذه الإطار تأثير المهن أيضا على الكتابة، ولعل أشهر مثال في العصر الحديث هو تأثير الطب على شعر إبراهيم ناجي. وبالتأكيد فإن في ذهن القارئ الكثير من النماذج من المهن والاهتمامات المؤثرة على أصحابها.

عُرفَ حبيب المعاتيق شاعرا ومصورا.. ومن الطبيعي أن نجد آثارهما المتبادلة عبر القواسم المشتركة في هذين الفنين اللذين اشتغلا عليهما على مدى بضع وعشرين في تجاربه مابين شعرية الصورة وفوتغرافية القصيدة.

في ديوانه «معلقون على الأحداق» يدخلنا حبيب المعاتيق إلى عتبة العنوان؛ ليضخ لنا عدة دلالات مثل سمو الرؤية، واستمرار ذاكرة الوفاء بمن يتعلق بهم وجدانيا. وهذا العنوان يذكرني باسم ديوان الصديق الشاعر معتوق المعتوق «نقش على الأحداق».

وهذا التشابه يرد كثيرا في أعمال الشعراء، والمهتمون بظاهرة «التناص» يفصّلون في هذا الأمر بمزيد من التحري والتقصي.

في هذه المقالة أستعرض عدة أنواع للصور عند حبيب المعاتيق وفق ما تلقيته إثر قراءتي لهذه الألوان المنبعثة من ديوانه.

1 - البانوراما:

«تاروت»
كم من نخلة
علقتُ فيها من هواي
إلى السما تذكاري

للقراء أن يتخيلوا هذا المنظر الكامل الذي يمتد من أرض الجزيرة إلى سمائها. وهنا تتحد أبعاد الصورة الشاملة بمعنويات الهوى والذكرى لدى شاعرنا. ويقول في نص آخر يحمل نفس الفكرة:

إناء على ذمة الشوق
متصل بالتراب
ومتسع باتساع السماء

وليس غريبا عليه منذ عمله الأول «حزمة وجد» فهو يمزج دائما بين مفردات المعجم البصري ومفردات المعجم الوجداني حتى تصبح ذات كينونة واحدة.

2 - التصوير القريب:

يقترب الشاعر ليصطاد تفاصيل الصورة وأسرارها، وهنا لابد أن يمتلك مهارة التركيز المكثف.

يقول حبيب في قصيدة «وله العصفور»:

لشفيف غرامك أن يسري
مابين المقلة والرمشِ
ولوجهك هذا الناعم حد الذوبان سمات الوحشِ
تتعجب من هذا الوصف
سمات الوحشِ

إن هذه «الفوكسة» تجعل الشاعر قريبا من حياة العصافير والحنين إلى الأعشاش، وبهذا استطاع عبر هذه الصورة أن يسقط حالة العشق الجسدية على هذه الكائنات الصغيرة بثنائية العاشق والمأوى / السكن.

3 - الصورة التجريدية:

هي الصورة التي تثير انتباه المتلقي بتكوينها المختلف وتتطلب رؤية خاصة لسبر أغوار مفاهيمها.

وكما أنها من أنواع التصوير الفوتغرافي فهي من أنواع التصوير الشعري الموجودة بكثرة في النصوص الحديثة وخاصة في الشعر الحر وقصيدة النثر.

ليس شرطا أن تكون الصورة التجريدية غامضة ومعقدة؛ فقد تكون مألوفة جدا لكنها تعمل على إثارة الدهشة وكأنها لحظة من خارج الزمن.

انظروا كيف يخلق حبيب صورة إبداعية خيالية تتخذ من الواقع قاعدة لها في قصيدته «اللذيذ من الذكريات» التي أهداها إلى فاتنته القطيف:

دعيني أجرّد من سعفات النخيل حساما
وأركض في منتهاك المطل على الخلد
في ثلة من رفاق السلاح.

هكذا نجد الطبيعة تتحول إلى مستودع يزود الشاعر بأدوات البطولة، وليس هذا فحسب فهذا الدور الحيوي يمتد إلى منتهى الخلد باتساع مساحة اليقين والطمأنينة.

4 - تصوير الأشخاص:

مهما بلغت ذاتية المعاتيق ذورتها فهو لايستطيع الانفكاك عن تصوير الأشخاص من حوله والتعبير عن أحلامهم وآلامهم، فتجده يلتقط صورة لأمه وتباريحها الكونية وصورة ثانية لابنته بكل ما أوتي من طاقة الأبوة وصورة أخرى لشقيقته الراحلة التي يأوي إلى عينيها كلما ضاق به المكان، كذلك يكتب لصديق أو زميل عمل،.. وهكذا.

وتفاعلا مع المجتمع هاهو يعبر عن أطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة، أثارت عندي رعشة التلقي الشعري عندما قال:

أفصحت كل تقاسميك عن هذي المعاناة
فماذا بعد يخفي حبلك السري
حين اعترفت قابلة:
إنه يفرق عن باقي الحبال!!

وفي صورة أخرى يلتقط صورة مثالية للمعلم ذات عرفان ووفاء، في احتفالية شارك بها تكريما لرجال التربية والتعليم.

كذلك لا ينسى أحبابه الغائبين الذين وصفهم بالمعلقين على الأحداق، ومن هنا اختار عنوان الديوان من هذا الوصف الذي يدل على الرؤية السامية.