آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:22 ص

الحركات التكفيرية ومصطلح الانسداد التاريخي

محمد الحرز * صحيفة الشرق

بدت مقالتي الأسبوع الماضي حول الأزمة السورية للكثيرين من القرَّاء، وكأنها تلقي باللائمة والمسؤولية على النظام السوري فحسب، وكأنها أيضاً تستبعد التعقيد الذي طال هذه الأزمة، من خلال التدخل الخارجي، والدعم الذي يسانده من بعض الأنظمة العربية، ناهيك عن الجماعات الجهادية التكفيرية التي خرجت عن كل سيطرة إثر ما تقوم به من أعمال وحشية، قائمة على التطهير العرقي والطائفي والقتل على الهوية، في بعض المدن والقرى.

كل هذا - في رأيهم - ولدّ انطباعاً عاماً على أن المقالة منحازة وغير موضوعية. وأنا بدوري هنا أتساءل، هل هذا الانطباع صحيح أم خطأ؟

ربما كثافة الاستقطاب الطائفي الذي تولد من خلال هذه الأزمة، لا يفسح في المجال للتحليل السياسي المتصل بالعقلانية البراغماتية، فإذا لم تكن في حديثك عن الأزمة السورية مع هذا الطرف، فأنت بالتأكيد مع الطرف الآخر. وكأن الأحداث الجارية قامت باعتبارها مجرد ردود أفعال بين الطرفين، وليست باعتبارها تراكمات تاريخية، وصلت إلى نقطة، هي ما نشهده الآن واللحظة من انفجار في جميع الاتجاهات والأمكنة.

لذلك من يتأمل التاريخ السياسي العربي، يرى أن موجة العنف التي ارتبطت ببعض الأحزاب السياسية العربية اليسارية والقومية في الخمسينيات والستينيات من اغتيالات وانقلابات وحكم سلطوي شمولي، انتقلت بتأثير مباشر منها، إلى الضفة الأخرى من الممارسة السياسية، وهي ضفة الأحزاب التكفيرية والسلفية الجهادية. هذه حقيقة تقطع الطريق على كل من يحاول إلقاء مسؤولية العنف على طرف دون الآخر، ولا يأخذ بعين الاعتبار تاريخ العنف نفسه الكامن في السياسة العربية، ولا بأسبابه وتحولاته.

ولا نعني بالتأثير المباشر سوى سريان العنف وقابليته عند كل طرف، والاختلاف فقط في الدرجة وليس في النوع. لكن البعض يرى أن عنف هذه الحركات التكفيرية وقساوتها لا يمكن مقارنته بعنف الأحزاب السياسية، فالأولى دوافعها القتل على الهوية الطائفية، والتطهير العرقي، وهي دوافع عبثية، تحركها غريزة الكراهية فقط، ولا حدود لهذه الكراهية على الإطلاق. بينما دوافع الأخرى ترتبط بتحقيق مكاسب ومصالح على أرض الواقع، وتنتهي، أو بتعبير أدق في الحالة العربية، تخف وتيرته، بتحقيق مثل هذه المكاسب ومن ثم امتلاكها بالقوة.

في تصوري العنف، في كل الأحوال لا يمكن تبريره عند هذا أو ذاك، ولا يمكن قياسه بأكثر أو أقل حتى نزايد عليه أو نبرِّره. لكن الأخطر حين تتم ممارسته باسم الدين والشريعة، وليس باسم الإيديولوجيا والشعارات السياسية فقط. هنا مكمن الخطر الذي آثاره لا تُعد ولا تحصى. وما زاد الطين بلة.

أن هذا العنف أصبح له تاريخ، بحيث يغذِّي نفسه بنفسه، ولا يحتاج في ذلك إلى دوافع خارجية. قد يقول قائل ثمة مؤامرات من الدول المهيمنة هي من تحرك خيوط هذا العنف، وتدفعه في أتون المحرقة العربية. ليس ذلك صحيحاً، هناك استثمار وفرص يوفرها هذا العنف للمهيمنين على الساحة الدولية؛ كي يحققوا بعض المكاسب.

لكن السؤال هو كيف يمكن أن نحلل هذا العنف المستشري، وأسبابه دون الوقوع في فخ مصيدة الاستقطاب الطائفي؟!

هاشم صالح المفكر السوري الذي يحلل أحداث الربيع العربي وفق الرؤية الفلسفية المثالية لدى هيجل، على اعتبار أن الشرور في الحياة نافعة وليست ضارة، ولولاها لما عرف الإنسان طريق الخير والسعادة. هذا المفكر طرح مصطلح الانسداد التاريخي، يصف من خلاله حالة العرب في اللحظة الراهنة، وإلى أي مدى وصلت إليه، ويرجع أسباب العنف والاستبداد إلى تأثيراته، وهيمنته على تاريخهم السياسي والثقافي والديني.

يرى أن العرب يعانون انسدادين لا واحداً فقط، الأول خارجي وهو يتعلق بقضية فلسطين، فلا العرب استطاعوا حلها أو تحريرها، ولا التخلي عنها أو الأقل تأجيلها. الكل أراد استخدامها كورقة تحقق له بعض المكاسب السياسية، بل في ظل هذا التوظيف تأجلت كل مشاريع التنمية والديمقراطية حتى يتم حلها. لكن مع الأسف لم تحدث تنمية، ولم تتحرر فلسطين.

ألم يرفع حافظ الأسد، عندما جاء إلى الحكم شعار الحركة التصحيحية لحزب البعث في عقد السبعينيات، وهو شعار يرتبط بتحرير الجولان، وتطويق إسرائيل وهزيمتها بعد هزيمة 67 م، لا الجولان عاد ولا إسرائيل انهزمت. هذا مجرد مثال من عدة أمثلة.

أما الانسداد الآخر فهو داخلي وهو «يخص عدم القدرة على حسم المسألة التراثية» وهو ما يراهن عليه أكثر في تجاوز مسألة العنف والاستبداد والجهل كما يقيس هذا التجاوز بالمراحل التي مرت بها أوروبا في القرون الوسطى.

وما يعنيه هنا بحسم المسألة التراثية، هو إيجاد تأويل جديد للتراث العربي الإسلامي يضاد التأويل الأصولي الظلامي الذي ترتكز عليه هذه الجماعات التكفيرية التي تقتل باسمه وتمارس العنف بتشريعاته.

وهو يرى أن ما يجري حسب رؤيته الفلسفية التي يتصورها، قد أوصلنا إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه الانسداد، وقد بدأنا نصطدم بجدرانه العالية، وليس بعد هذا الاصطدام سوى نوع من الانفراج. لكن هذا الانفراج يتطلب تضحيات كبيرة، وتحولات أشبه ما تكون بالقطيعة التي تؤصل لفترة ما قبل وفترة ما بعد، وهذا يحتاج إلى مديات زمنية لا تقل عن عقود من الزمن.