آخر تحديث: 21 / 9 / 2021م - 7:45 ص

توقف عن قراءة الكتب التي تروي قصص النجاح

عصام المرهون

لماذا تتحول كتب تطوير الذات والنجاح والتحفيز سريعاً إلى رف الكتب المخفضة بالمكتبة؟ وهل توجد جدوى من قراءة الكتاب بعد تاريخ إصدارة بسنتين مثلاً؟ وهل ما يُنقل بهذه الكتب من عوامل ومقومات وقصص للنجاح قابلة للتطبيق؟ أو هل تتناسب مع ظروفنا الحالية؟

الكثير من التساؤلات لأنه بالفعل أصبحت المكتبة متخمة بكتب أسرار النجاح والسعادة والثراء وتطوير الذات، ومع مرور الوقت يُصيب المرء حالة من الإدمان على اقتناء وقراءة هذه الكتب، ولا غرابة في ذلك فهي كتب ممتعة وسهلة المشاركة والنصائح التي تقدمها منطقية في أغلب الأحيان.. من قبيل التخلي عن طلب القبول الاجتماعي والانغماس في نقاط الضعف الشخصية، والتوقف عن رؤية المشاكل والتركيز على الفرص، وأن جميع الناجحون يشتركون في ميزة عِلمِهم متى يتمسكون بالشيء ومتى يتخلوا عنه، وال 14 أمراً التي يفعلها الناجحون قبل الإفطار.. مثل شرب الماء وترتيب السرير.... الخ

ولكن بجانب القدر الكبير من المتعة في قراءة هذه الكتب إلا أنها تُحدث ضرراً لكثير من الأشخاص وخصوصاً صناع القرار وورجال الأعمال وأرباب المناصب العليا، وهناك العديد من الأسباب التي تجعل عدم الإقدام على قراءة هذه الكتب أمراً مفيداً.

بشكل غير مُدِرك تقودك قصص النجاح التي بين ثنايا هذه الكتب إلى قناعة غير واعية وهيَ أن مقياس النجاح هو جني المال وتكوين الثروة، وكلنا متفقون بأن هذا مقياس خاطئ فالنجاح لا يُقاس بالمال بل يقاس بمستوى مشاركة النجاح في التغيير والتطور المجتمعي، وماهي الأفكار أو الأساليب الخاطئة أو المكلفة أو المجهِده التي قام هذا الشخص الناجح بتغييرها إلى أفكار أكثر صحة أو أنه ابتكر طريقةً للحصول على شيءٍ ما بكلفة أقل ومجهود اقل وجودة أعلى.. ستيف جوبز على سبيل المثال حينما بدأ العمل من كراج منزله كان تطلعه لإحداث انبعاج بالكون «على حد تعبيرة» ولم يكن يتطلع لتحقيق ثروة.

وفي بعض الأحيان يكون النجاح عبارة عن هالة براقة من صُنع مجموعة من البشر منغلقين في دائرة مجتمعية خاصة بهم ومكوِنين من خلالها قيم كبيرة قد ينظر لها الآخرين بشيء من التفاهة أو السخافة، ولكن حقيقة الأمر فهيَ شيء ذو قيمة عالية جداً لهذا المجتمع الصغير.. كتحقيق مركز متقدم في رياضة كمال الأجسام أو الدرجات النارية، أو مثل أخبار تحطيم الأرقام العالمية التي نسمعها أحياناً، كدخول موسوعة جينيس لأكبر مطعم برجر من حيث المساحة أو تحقيق المركز الأول في صف عدد 5 حبات من شوكولاتة m&m’s فوق بعضها البعض.

بالغالب يكون في هذه القصص وجميعها قصص فردية خط غير واضح يفصل بين السبب والنتيجة، والمعايير المستخدمة في تحليل القصة تكون مجزئه وغير موضوعية، فهي لا تتبع منهجاً مبني على الدليل وبالتالي لا يُمكن الجزم بصلاحيتها للمكان والزمان الذي نحن فيه، وعادات النجاح مِثل عدم الاكتراث لنظرة الآخرين أو عدم الأكثار من الاجتماعات وترتيب الأولويات وقول ”لا“ لكل شي تقريباً.. إنما تولدت عند الأشخاص الناجين بعد أن أصبحوا ناجحين في أعين الغير لذا فإن هذه العادات تتحول لأسلوب حياة بالنسبة لهم نتيجة نجاحهم وليس العكس.

قصص النجاح ذائعة الصيت تجعل منا أشخاص ماهرون جداً في التعلم مما نشاهده أو نختبره، ولكن بنفس الدرجة عاجزون عن التسليم بصحة ما نراه - وأقصد هنا قصص الفشل المغمورة التي لم يتم تسليط الضوء عليها، وهذا ما يجعلنا متحيزين وكأن النجاح حتمي أكثر مما هو عليه في الواقع. بمعنى آخر إن هذه الكتب لا تعير اهتمامًا لسرد قصص الفشل للأشخاص الذين طبقوا نفس الاستراتيجية والذين كانوا يعاصرون نفس الظروف، وهنا تكمن الخطورة خصوصاً لأصحاب القرار حيث أنهم بحاجه لسماع قصص الفشل أكثر منها لقصص النجاح لأنها مكمن الدروس الكبيرة للعقبات التي يجب تجنبها.

ربما أكون مخطئاً لكن الصورة الزاهية للأشخاص الناجحين لا تُظهر جميع الأشياء التي اضطروا لمقايضتها والتضحية بها من أجل النجاح، وربما لو كانت واضحة لما رغبنا بتبادل الاماكن معهم أو تقديم نفس التنازلات التي قدموها، يجب أن لا نغفل بأن الزمن يتغير والتكنولوجيا تتطور بشكل سريع جداً، فلا غرابه أن تكون النصائح المقدمة بهذه الكتب بالية بوقت أسرع مما كنا نتوقع، ففي عالم الأعمال مثلاً كثير من الشركات التي كانت تحمل قصص باهرة في النجاح والتي تم الاستشهاد بها في عدة كتب مثل كتاب ”جيد إلى عظيم“ «Good to Great» وكتاب ”في البحث عن التميز“ «In Search of Excellence» أغلبها للأسف عانت مشاكل كبيرة في الاستمرار بنفس مستوى النجاح وبعضها فشل، وذلك بعد أن بيعت ملايين النسخ من هذه الكتب.

في وضع معين من السهل علينا معرفة النجاح أو الفشل بعد حدوثه، لكن قبل ذلك يجعلنا هذا الأمر نطلق على القدرات التي تستطيع التمييز بين وقت الانسحاب ووقت الاستمرار واقتناص الفرص بالقدرات السحرية الخارقة، حيث كيف كان لها أن تصيب القرار السليم في أجواء ضبابية جداً وتتسم بعدم الوضوح.