آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 2:34 م

جار أمس وجار اليوم!

رحمَ الله جيراننا وجيرانكم الطيبين، وأطالَ في أعمارِ من بقي!

كان الأعمّ الأغلب من سكَّان القطيف - وتوابعها - متوسطي الدخل وما دون ذلك حتى جاءت سنوات الثَّمانينات من القرنِ الماضي، ما رافق التغير الاقتصادي وانتعاش المداخيل. لكن فقر المال - قبل ذلك - لم يصحبه فقر العاطفة والتوادّ. الجوع والأيام القاسية صهرت الجيرانَ في بوتقةٍ واحدة.

في تلك الأيام، كانت أمي - كما أمهاتكم وجداتكم رحمهن الله - إذا نقصَ شيء من الملح، قالت: روح لأم فلان، جارتنا، وقل لها: أمي تطلب قليلًا من الملح! ويمكن في اليومِ الثَّاني تطلب ملعقة فلفل أو رأسَ بصل أو حبة طماطم من الجارةِ الثَّانية والثَّالثة. إذا استحى الولد وقال: بالأمس رحتُ لهم! الأمّ تجيب: لا تستحي، اليوم أعطيناهم سلَّة رطب، أو شيئًا آخر، رد جميل.

هكذا كانت بساطة الجيرة، طبعًا ليس كل الجيران، كان فيهم من لا تُطاق جيرته. أما الآن، الكل لاهٍ ومشغول عن جارهِ بنفسه، وأبعد النَّاس الجار. سكنَ الماضون البيوتَ البسيطة، لم تمنع الصوت، لكن الأسرار بقيت محفوظة والكل يعرف معنى: الجار قبلَ الدار! الآن، لا ترفع صوتكَ لكي لا يسمعكَ الجيران. وهذا أيضًا لا يعني أن ليس في جيرانِ اليوم من لا تباع جيرته بأغلى الأسعار.

كان جيراننا يحضرون مناسبات الأفراح والأتراح، وعندما يرانا جارنا نرمم أو نبني، يرفع صوته: تحتاج مساعدة جاري؟ إذًا فأين جار اليوم من جارِ الأمس؟! إذا ماتَ جارٌ لهم، اهتموا بأن لا يبيتَ عياله في ليالي العزاء جوعى. الآن، أهل الميت هم من يتكلفون الأكل، والجيران ضيوف عليهم! هذه الميزات والقيم الأصيلة القديمة، أخذت تقترب من قيمِ الغرب التي يقوم  أغلبها - على ”السور العالي يعطيكَ أفضل جار“، تسمع بالجار ولا تراه.

مهما تغيرت الأحوال فلا يجوز أن يكون الجيران حيطانًا متلاصقة وقلوبًا متباعدة: ”ثلاثة هنّ أمّ الفواقر:... وجار عينه ترعاكَ وقلبه ينعاك، إن رأى حسنةً دفنها ولم يفشِها، وإن رأى سيئةً أظهرها وأذاعهَا“.

رحمَ الله جيرانًا عرفناهم، كأنَّ مسكين الدارمي يحكي عنهم:

ما ضرَّ جارًا أن أجاورهُ ** ألا يكونَ لبابهِ سترُ
أعمى إذا ما إذا جارتي خرجت ** حتى يواري جارتي الخدرُ
ناري ونار الجارِ واحدةٌ ** وإليه قبلي ينزل القدرُ

مستشار أعلى هندسة بترول