آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

مصادر السيرة الحسينية.. حوار مع الشيخ فوزي آل سيف

جهينة الإخبارية حاوره: عبدالباري أحمد الدخيل
الشيخ فوزي آل سيف
الشيخ فوزي السيف

له تجربة في الكتابة امتدت لتحتوي أكثر من 30 مؤلفا، وتجربة خطابية منذ نعومة أظفاره، حوارنا مع الكاتب والخطيب الحسيني سماحة الشيخ فوزي بن محمد تقي آل سيف.

سماحة الشيخ عندما يذكر الإمام الحسين تذكر البطولة التي تجلت بكامل حلّتها في كربلاء، حبذا لو تحدثتم لنا عن واقع طرح سير الأبطال وأهميته في المجتمعات.

نعم.. تطرح سير الأبطال والجوانب الشخصية للعظماء في المجتمعات لأنها تقوم بصناعة القدوة للأطفال والأحداث من أبناء المجتمع.

وكيف يكون ذلك؟

هؤلاء الأطفال والأحداث إذا نظروا وهم في حداثة سنهم إلى تقدير المجتمع لأبطاله يتحول هؤلاء في أذهانهم إلى طموح أعلى ومثل أسمى يظل يشرق في أنفسهم، ولذا فإنهم في تلك السن المبكرة يحاولون أن يحاكوا الطريقة التي عاش عليها أولئك الأبطال.

أهو نفسه الذي يحاول الغرب اليوم القيام به؟

نعم.. ما يقوم به الغرب اليوم من تقديم قدوات وأبطال لكنها على مقاييسه بالنسبة لأطفالنا وشبابنا، ولا بد أن نفهم خطورته أيضا.

أي خطورة؟

إنهم لكي يبينوا التفوق الأمريكي ويحولوه إلى ثقافة يقدمون لنا نماذج «البطولة والقوة والمثل العليا في صورة أفلام وكارتون»

هل هذا هو الهدف من ذكر البطولات؟

لا.. فدراسة السير الشخصية لأبطال الأمة تعطي شعورا للفرد والمجتمع بأنه ينتمي لتاريخ ممتد ولجيل صالح.

وأي اثر لذلك على الحدث؟

لهذا كبير الأثر على سلوكه، فإن شعور الفرد مثلا أنه ينتمي إلى عائلة شريفة يصنع له دافعا إضافيا للصلاح، ويحجزه في كثير من الأحيان عن تناول الصغائر وكذا حين يشعر بالانتماء إلى مجتمع وتاريخ زاهر ومنه قول أمير المؤمنين في كتابه لواليه مالك الأشتر النخعي «.. ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف..» بينما الأشخاص الذين لا تاريخ لهم، ولا ينتمون إلى جيل صالح يكونون أقرب إلى المسيرة الخاطئة.

هل لهذا الكلام إثبات علمي؟

أولا: هذا واضح في كلام أهل البيت وهم علماء الأمة، ثانيا: هذا يذكره علماء الاجتماع حين يتعرضون إلى بيان الأسباب التي تؤدي لكثرة الجريمة في التجمعات البشرية الخليطة من أجناس مختلفة ومستويات ثقافية متعددة بالقياس إلى تلك المجتمعات التي تمتلك تاريخا موحدا وثقافة مشتركة.

لكن القرآن حينما تحدث عن السابقين لم يتحدث عن امتداد تاريخي.

لا القرآن تحدث عن جهتين: الأولى خطاب للنبي ﷺ وذكر فيه امتداده الطبيعي في الدعوة، يقول تعالى: ﴿وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - هود120 وقال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى - الكهف 13، وجهة أخرى يتحدث عن قصص السابقين لتقديم نماذج، سواء في أدوارهم الايجابية لصناعة القدوة «فاعتبروا يا أولي الأبصار». أو في الجهات السلبية بالتنفير من نماذج الرذيلة والانحراف والعصيان. هذا وقد حرصت الأحاديث على ربط الناس - من باب صناعة القدوة الطيبة - بتلك الصفوة من البشر محمد وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم كما يفهم من التأكيد على ذكرهم والصلاة عليهم «عليهم أفضل الصلاة والسلام».

ما هي الأشياء التي تأتي محلا للاقتداء؟

مع أنه في حياة الأشخاص توجد جهات شخصية لا تتكرر، مثل طوله وعرضه، ولون بشرته وصفاته الخَلقية والجسمية، ونسبه.. إلا أن هناك أمورا عامة هي محل الإقتداء مثل أخلاقه وسيرته والنظام الحياتي الذي كان عليه، وجهاده ونصره للدين.

هل هذا ما يدعونا لدراسة السيرة؟

نعم هذا ما يدعونا إلى دراسة سيرة النبي والمعصومين .

سماحة الشيخ يوجد تركيز على سيرة الإمام الحسين أكثر من غيره من أهل البيت هل لتميز الحدث؟

ليس لتميز الحدث فقط بل لأن لسيرة الإمام الحسين إضافة لما ذكرنا سابقا، أنها إطلالة على تاريخ الإسلام في القرن الأول، فإن معرفة ما جرى في ذلك القرن يجعل المسلم واعيا بالنتائج التي وصلت إليها الأمة فيما بعد. بينما يبقى أولئك الذين لا رؤية واضحة لهم بالنسبة للأحداث التي حصلت فيه، غير قادرين على فهم الكثير من النتائج، حيث أنها مربوطة بمقدماتها.

هذا نجده في سيرة النبي ﷺ والإمام علي .

يضاف إلى ذلك أن سيرة الإمام الحسين ويوم عاشوراء احتوى على مختلف النماذج البشرية: الانتهازي والمتفاني، عابد الدنيا والمشتاق إلى الآخرة، الشيخ الكبير الذي هو بهمة الشباب، والحدث الذي هو برأي الشيوخ، الحر العبد والرق المتحرر.. ويستطيع الإنسان أن يعتبر بما وصل إليه كل واحد من نتيجة في عاجل حياته، وما الذي ينتظره بحسب القواعد الكلامية، من جزاء في الآخرة.

سماحة الشيخ ما هي مصادر السيرة الحسينية بمعنى كيف انتقلت أحداث الواقعة؟ وكيف صورت؟

بعض الحوادث حدودها من الزمان، مدتها فقط فلا تشغل أكثر من خمس دقائق مثل طعامك قبل شهر، استغرق عشر دقائق، ثم إنك نسيته أنت فضلا عن سائر الناس ثم ينتهي، نعم لو كان فيه جهة محرمة كأن يكون غصبا أو حراما فإن تبعته تبقى وأثره الوضعي يستمر، وهكذا لو كان فيه جهة خيرة.

ولكن ليست كل الحوادث كوجبة طعامي قبل شهر.

هذا ما أردت توضيحه فهناك بعض الحوادث طبيعتها أن تبقى وتؤرخ لما فيها من الجهة العامة التي ترتبط بالآخرين كما هو الحال في المعارك العقائدية والمناظرات الفكرية، بل الأحداث السياسية.

وهل تحتوي قضية الإمام الحسين على عناصر البقاء؟

وقضية الإمام الحسين تحتوي على كل عناصر البقاء والاستمرار في التاريخ، بل في وعي الأمة الإسلامية

لماذا؟

ذلك لارتباطها بكل التيارات ـ من جهات مختلفة ـ فإن أتباع الخط الأموي كان عليهم أن يجيبوا على أصل موقف السلطة التي اتخذته من الإمام ومن أهل بيته وأنصاره، ثم تفاصيل الممارسة، وفي المقابل كان أتباع أهل البيت ينشرونها، والمحايدون يحاولون التفتيش عن جواب مقنع لن يكون موجودا، إلا بمعرفة بني أمية على حقيقتهم.

شيخنا.. لقد انتقلت الحادثة بتفاصيلها الكثيرة.

بل بمواقف أبطالها، وكلمات شجعانها، ورجز مقاتليها، وانتقلت بعمق مأساتها، بجروح الضرب والتنكيل، والسلب والتشهير، وبغربة النساء، «تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ليس لهن من ولاتهن ولي ولا من حماتهن حمي..» وبلوعة الأطفال واليتامى.

لقد انتقلت من الأفئدة المكلومة والعيون الباكية إلى صدور الناقلين ثم إلى كتب التاريخ.

الم يحاول البعض تزوير الحادثة؟

بلى لقد حاول الكثيرون وليس البعض تزييف الحادثة، أو إسدال ستار النسيان على أحداثها، لكن خابوا فما زالت أحداث الواقعة حية ساخنة وكأنها قد حدثت ليوم خلا.

ألا تتعجب من بعض التفاصيل التي تذكرها الروايات الخاصة بكربلاء؟

كيف لا؟ إن الناظر إلى تلك التفاصيل الدقيقة التي ترصد كل حركة وكلمة ليتعجب، فهذا نافع بن هلال في جوف الليل يحرس الحسين من دون أن يشعر وعندما يراه يشجعه على الفرار والنجاة بنفسه، فيقول ما هو أهله، وما يخلده. وهذه زينب وهي تحدث أخاها الحسين في ليلة عاشوراء وتسأله عن وضع المخيم والأنصار و...

من الذي نقل كل هذه التفاصيل، وما هي مصادرها؟

يمكن أن نوجز مصادر الواقعة في: التاريخ العام، وشهود العيان من الأنصار ومن الجيش الأموي، بالإضافة إلى الدور الذي قام به أئمة أهل البيت ، وكذا الزيارات.

كيف اصبح التاريخ العام مصدرا لواقعة الطف؟

اعتمد المؤرخون المتأخرون كتاريخ الطبري وابن الأثير، والمسعودي.. وغيرهم على المؤرخ المعروف لوط بن مخنف الأزدي، بل يمكن القول أن ما جاء في الطبري هو خلاصة لما كتبه أبو مخنف المذكور.

وهل فيما ذكره الطبري من فائدة؟

في ذلك أكثر من جهة فائدة، فقد فُقد كتاب مقتل الحسين للأزدي، وتم استخراج ما نقله عنه الطبري باعتباره المقتل، بينما لم يكن كل المقتل وما جرى فيه. وهو يروي عمّن شهد الواقعة كحميد بن مسلم بواسطة. والضحاك المشرقي.

الحاضرون في المعركة أو ما يصطلح عليه اليوم بشهود العيان.. كيف استفدنا من نقولاتهم؟

هناك شهود عيان من معسكر الحسين لم يحضو بشرف الشهادة لكنهم كانوا جزء من سلسلة رواة الحادثة منهم الضحاك بن عبد الله المشرقي.

سماحة الشيخ دعنا نقف قليلا لنتعرف على هذا الشاهد.

للضحاك بن عبد الله المشرقي قصة ينقلها المؤرخون مختصرها أنه قال للإمام الحسين : يا بن رسول الله، قد علمت ما كان بيني، وبينك، قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر فأنا في حل من الانصراف، فأحله الإمام وخرج من المعركة.

ومع أن الضحاك لم يحظ بشرف الشهادة بين يدي الحسين ، وفاته هذا التوفيق العظيم إلا أن بقاءه نفع في نقل تفاصيل الواقعة من عنصر كان شاهدا، وتفاصيل أحداث ما جرى في المخيم ولعل الناظر إلى مقتل الحسين للأزدي، وغيره يرى بوضوح أثر رواياته تلك.

ومن غيره؟

عقبة بن سمعان مولى الرباب الذي صحب الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى العراق، يقول: «ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع كلامه فما سمعت منه ما يذكر الناس من أنه يضع يده في يد يزيد وأن يسيره إلى ثغر من الثغور».

وأيضا: المرقع بن ثمامة الأسدي الذي أُسر فاستأمنه قومه فنفاه ابن زياد إلى الزارة والحسن بن الحسن «المثنى» الذي قاتل إلى جانب عمه الحسين حتى قتل سبعة عشر من الأعداء ثم قطعت يده، وأخذه أسماء بن خارجة الفزاري لأن أمه فزارية، وزيد بن الحسن وعمرو بن الحسن.. وهكذا نساء أهل البيت.

لكن من ذكرت - إذا صح التعبير - هم من الأصحاب وهم يمدحون مواقفهم.

لا ليس كذلك فهم من الصادقين الذين عرفوا بذلك، ورغم ذلك هناك شهود عيان في المعسكر الأموي، فإن بعضهم كان بمثابة المؤرخ، والناقل للأخبار مثل حميد بن مسلم، أو غيره ممن نقل «بطولات رجالات الطف».

مثل مَن؟

مثل كعب بن جابر، فقد عتبت عليه زوجته لما قتل برير بن خضير، وقالت أنها لن تكلمه، فقال أبياتا منها:

ولم تر عيني مثلـهم في زمانهــم     ولا قبلـهم في الناس إذ أنا يافع

أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى     ألا كل من يحمي الذمار مقارع.

وآخر وصف أصحاب الإمام الحسين قائلا: ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالا، وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على العسكر بكامله، فما كنا فاعلين لا أم لك.

وكقول هلال بن نافع: كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه فما رأيت قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه وقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في هذه الحال ماء فأبوا أن يسقوه..

اليس هلال بن نافع من شهداء الطف الذين قتلوا بين يدي الإمام الحسين؟

لاحظْ.. كان في الطف هلالان أحدهم مخسوف وكان عاقبة أمره خسرا وآخر حسيني نفع نفسه بموقفه، وهو الذي يقول:

ارمي بها معلمة أفواقهـا      والنفس لا ينفعها إشفاقهـا

وهو الذي تقدم باللواء للمشرعة يوم السابع وكان له موقف رائع في انفراده مع الحسين ليلة العاشر كما كان له في المعركة مواقف مشرفة إلى أن استشهد.

أتمُّ الشهود..

ومثل هاني بن ثبيت الحضرمي الذي روي عنه قوله: إني لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين إذ نظرت إلى غلام فأقبل عليه رجل يركض بفرسه حتى إذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله. مسروق بن وائل الحضرمي: كنت أول الخيل لعلي أصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد فلما رأيت ما صنع بابن حوزة «أو حويرثة في بعض الكتب» علمت أن لأهل هذا البيت حرمة فتركت القتال..

كيف نثق في مرويات حميد بن مسلم؟

قد يقول بعض أنه لا يوجد توثيق حميد بن مسلم لا بالتوثيق الخاص ولا العام ولذا لا يمكن الاعتماد على رواياته.. لكن ذلك غير صحيح فإن المدار في النقل التاريخي على الثقة بالرواية وهذا حاصل في هذا المورد فإن حميد بن مسلم ـ وهو بحسب الموقف ـ في الجيش الأموي لا يمكن أن ينقل ما هو في صف خصمه، ولذا لو نقل عن بطولات الأصحاب ومأساة النساء، فإنه في هذا غير متهم، بل ربما كان أدعى للقبول ـ بهذا الاعتبار عند بعضهم ـ ممن يكون في الصف الحسيني

ما هو دور أئمة أهل البيت في نقل الأحداث؟

تنوعت الطرق والهدف واحد، فالإمام السجاد استفاد من جميع الفرص بما هو غير خاف. والإمام الصادق والإمام الرضا في تشجيعهما للراثين والرثاء. ولم يترك أهل البيت حدثا يستطيعون ربطه بكربلاء إلا فعلوا، فقد صلى الإمام الصادق ركعتين في الحنانة وقال هاهنا وضع رأس الحسين عندما أخذ للكوفة. وعندما شبت النار في الأخبية، نقل موضوع حرق الخيام، وتأتيه جارية بطفل في فيذكّر بمصاب الطفل الرضيع.

كيف استفاد أهل البيت من الزيارات ليجعلوا منها ناقلا للحدث؟

وظف أهل البيت الزيارات خير توظيف.

هل تذكر لنا بعض الأمثلة؟

نعم؛ هناك مثلا الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة التي تعرضت في تفصيل جميل لمقدمات الثورة ووضع المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، والدوافع التي حركت الإمام الحسين للثورة، وكيف كان مسير المعركة، وأخيرا فيها تفصيل للمقتل مما صار على ألسنة الخطباء نصا ثابتا «.. فلما رأين النساء جوادك مخزيا، ونظرن سرجك عليه ملويا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك، مولغ سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك...»، وكذا زيارة الإمام الحجة للحسين والتي فيها أسماء الشهداء مع الحسين مع أسماء قاتليهم.