آخر تحديث: 24 / 1 / 2022م - 9:01 ص

قراءة الواقع

البناء الفكري وتنمية الإدراكات الفاحصة لكل أمر وفكرة وسلوك يعد الوجه المشرق والسمة الراقية في شخصية الإنسان، وما يغفل عنه البعض - وللأسف - أن يهتم كثيرا ببناء عضلات جسمه أو الاهتمام بنظام تغذيته الصحي دون الاهتمام بالجوانب الأخرى، فيضيع الأوقات وتمضي عليه الأيام دون أن يمسك بطرف خيط معرفي ينمي ويغذي عقله، ويعد واهما مطالعة أي كتاب أمرا ترفيا لم يشغل باله يوما في التفكير به فضلا عن ممارسة عملية له، ويخفى عليه أن عماد العلاقات الأسرية والاجتماعية واحتلال مكانة في محيطه هو ذلك اللسان الناطق بالكلمات ذات الوزن في معناها ومؤداها، وهذا الأمر لا يأتي من فراغ أو أمان يدغدغ المشاعر، بل اكتساء المدرك العقلي بريش الحقول المعرفية يحتاج إلى همة عالية وصبر وعمل مثابر يسجله الزمان من خلال تخطي المراحل المتلاحقة، إذ كيف يمكن للإنسان - بدون أن يمتلك حصيلة معرفية ونظرة فكرية - أن يخطط لحياته وخصوصا الجانب المستقبلي منها، بقراءة الحاضر والموائمة بينه وبين إمكانياته والظروف المتوقعة آنذاك.

الشخصية الناجحة تمتاز برؤية فكرية يسلط من خلالها ما يمتلكه من مخزون معرفي للوصول إلى الجانب المجهول من الأمر وتكوين رؤية واضحة عنه، يمكنه من خلالها التعامل معه وإبداء رأيه الناضج عنه، ومع حسن الفكر ونضجه يستند المرء على التحليق في فضاء الإنجاز والنجاح على عامل آخر وهو قوة الإرادة في مواجهة التحديات والصعوبات، فالنجاح يعني فهم الواقع والفرص المتاحة أمامه وما يمتلك من قدرات تسانده على تحقيق أهدافه وتطلعاته، فالقوة الحقيقية تتمثل في أهم أبعادها بقبول تحدي الواقع بما يحمله من صعوبات وعثرات، والعمل على تغييره لصالحه من خلال التخطيط المحكم وبذل الجهد لتحقيق تطلعاته، فشتان ما بين الأحلام الوردية التي تعتمد على الأماني الواعية والطموحات الواقعية التي تستند على قراءة مستقبلية، فالعقل الواعي لا يتحرك وفق القراءة العاطفية بل هناك اطلاع على الإمكانيات الخاصة به والاحتمالات المعرقلة لعمله، وهذا لا يعني - بالطبع - أن الخيال لا يحمل السمة الإيجابية والذي لا غنى عنه للتقدم والرقي، فالخيال الجميل يعني وضع تصورات ورسم معالم الأهداف المستقبلية والتخطيط للمرحلة القادمة واضعا بعين الاعتبار ما ينبغي عليه تحصيله من مستلزمات وإمكانيات؛ ليتمكن في نهاية المطاف من وضع اللبنات الأولى لطموحاته على أرض الواقع والتي تقف خلفها إرادة عصية على التراجع والانهيار وعقل يبحث الأمور بطريقة منطقية.

كل إنسان يستطيع أن يحقق وجوده ضمن إطار معين من خلال الأخذ بطريقة تناسب قدراته وسقوف أهدافه، وللوصول إلى الغايات المرادة لابد من امتلاك الفرد لشجاعة في اتخاذ القرار المناسب والبدء في خطواته متسلحا بالأمل، وواهم من يظن أن طريقه في الحياة مفروش بالورد والحرير، وإنما الأشواك متناثرة في دربه وعليه أخذ الحيطة والحذر والعمل على إزالتها وكذا كل المعوقات من أمامه، وأي إخفاق في مرحلة معينة يمثل دروسا عليه استلهامها وفهمها لتكون ومضات مضيئة في المستقبل.

والمواقف التي نمر بها تحمل في بعض منعطفاتها ألما يعتصرنا بسبب كلمات قاسية نسمعها ومواقف تحمل سمات التجاهل أو التنمر أو الإحباط، وسكب الدموع والتشرنق حول اجترار الآلام لن يغير من الواقع شيئا، وعلينا امتصاص الصدمة والوثوق بأنفسنا والإعراض عن مواقف البعض الصادرة عن مشاعر سلبية تشعل قلبه، فراحة البال واطمئنان القلب أمام عواصف المواقف والاحتكاكات شبه اليومية مع محيطنا، نحصل عليه من خلال تحديد أهدافنا الرئيسية وتجنب الانشغال بالأمور الجانبية.