آخر تحديث: 24 / 1 / 2022م - 9:06 ص

الكفن ليس له جيوب!

بدت لي حاجة زرتُ على أثرها أحدَ المصارف أو البنوك. ولأنه لم يكن هناك زبائن كثيرون في منتصفِ النَّهار أعطاني الموظف وقتًا - طويلًا - لا يعطيه في العادة إلا للأغنياء وأصحاب المال الكبار.

الحق يقال أنني استمتعتُ بتلك الجلسة، رائحة النقود قويَّة، أزكى من كلِّ أنواع العود والبخور والعطور ومنظر شَدَّات الرِّيالات من أجمل المناظر، أما صوت مكنة عدّ الأوراق النقديَّة من ألذّ الأصوات. وشرح لي الموظف أنواعَ العروض التي في نهاية السَّنة يحصل منها المُودع على قرشين أو أربعة، بعد أن يضع كلَّ مدخراته في البنك.

استمتعوا بأموالكم إن كنتم أغنياء، ومتعوا أولادكم وأزواجكم وبناتكم، لأن صاحب البنك هو الذي يستفيد منها. يركب أحدثَ السيَّارات والطائرات، ويسكن القصورَ الفخمة وأنتم تحصلون على قروشٍ زهيدة، لا تجعل منكم أغنياء، وتَجعلكم بخلاء على أنفسكم، وأموالكم لغيركم. ولمن يرغب في زيادةِ المال: اسألوا اللهَ من فضله، فكم من فقيرٍ في المساء، في الصَّباح نقله الله آلى ضفَّة المُلَّاك والأثرياء!

في اليومِ الأخير من الحياة، ليس لنا إلا قطعة قماشٍ بيضاء - تميل إلى الصفرة - يلبسها الغنيّ والفقير. هذه القماشة لا يوجد فيها جيوب، ولا تحمل الجواهرَ والذَّهب. بينما نحن نعمل في الدّنيا مثل الدوابّ، نبخل على أنفسنا ثمَّ يأكلها أولادنا بالهناء، وجميل منهم إن عرفوا قبورنا وزارونا بعد الموت، والله أعلم ماذا يفعلون بأموالنا!

عن أبي عبد الله «عليه السَّلام» في قولِ الله عزّ وجل: ”كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم“ قال: هو الرَّجل يدع ماله لا ينفقه في طاعةِ الله بخلا، ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله أو في معصية الله فإن عمل به في طاعة الله رآه في ميزانِ غيره فرآه حسرة وقد كان المال له وإن كان عمل به في معصية الله قوّاه بذلك المال حتى عمل به في معصيةِ الله عز وجل.

أليس كلنا تصدق عليه مقولة: عندما كنتُ شابًّا كان عندي الوقت والطَّاقة دون المال، وعندما كبرت قليلًا ملكتُ المالَ ولم يكن لديّ الوقت. وفي النِّهاية صارَ عندي المال بعد أن ذهب الوقت وضعفت الطاقة؟!

حفنات، ملء الكفين بالذهب - الحلال - أحياء أو ملء الكفين بالتراب أموات ”لو كان لابنِ آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوفَ ابنَ آدم إلا التراب، ويتوب اللهُ على من تاب“.

مستشار أعلى هندسة بترول