آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ الصفار: الحج.. مناسك للوحدة الإسلامية

جهينة الإخبارية حوار: عبدالباري أحمد الدخيل
الشيخ حسن الصفار
الشيخ حسن الصفار

أريج مكة، ونسيم المشاعر المقدسة، تهبّ على قلوب المسلمين، فتنجذب القلوب، وتنشدّ النفوس، إلى هذا النسك الإلهي العظيم، حجّ بيت اللّه الحرام، ومن يتوفق للحجّ يعيش هذه اللذة المعنوية العظيمة بروحه وجسمه، أمّا من حرمته الظروف فيبقى متعلقاً بقلبه ومشاعره نحو تلك الأجواء المباركة.

كما أن لفريضة الحج أبعادٌ كثيرة تنعكس على مختلف جوانب حياة الإنسان الحاج، والأمة الإسلامية بشكل عام، كما يقول تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [سورة الحج، الآية: 28].

ولمعرفة هذه الأبعاد حملنا أوراقنا وتوجهنا بأسئلتنا لسماحة الشيخ حسن الصفار.. فكان هذا الحوار:

الحج هو القصد.. كيف تقرؤون ذلك؟

ليست المبادئ الإلهية مجرد معتقدات قلبية، كما أن القيم الفاضلة ليست مثلاً في عالم الخيال، إن التحدي الأكبر في حياة الإنسان هو تمثل القيم في السلوك، والتزام المبادئ في المواقف والممارسات، فكل حركة تنبثق من مبدأ وتستهدف ترسيخ قيمة في السلوك الإنساني.

وتشريعات الدين خريطة طريق تأخذ بيد الإنسان إلى هذا المقصد والغاية، وتساعده على النصر والنجاح في مواجهته للتحديات.

ويأتي الحج في طليعة الفرائض والتشريعات الإسلامية التي تدعم فاعلية القيم، وتعزيز مكانتها في نفس الإنسان وانعكاسها على سلوكه.

كيف جعلتم كل ذلك في الحج؟

في مناسك الحج يتجلى حضور أصول المبادئ والقيم، كمبدأ العبودية للّه تعالى والخضوع لأمره، ومبدأ المساواة والإخاء بين بني البشر، ومبدأ وحدة الأمة، وقيمة السعي والحركة، وقيمة التأسي والاقتداء بأنبياء اللّه وأوليائه، ومبدأ التضحية والعطاء..

إن مناسك الحج وشعائره أقرب ما تكون إلى دورة تدريب وتأهيل، وورشة عمل وتجربة، لاختبار تحويل تلك المبادئ والقيم إلى مشاعر راسخة في النفس، وبرامج مألوفة في السلوك.

هل هذا يعني أن مناسك الحج مجرد دورة تدريب؟

بالطبع لا.. فإن المهمة الأساس لمناسك الحج هي إقرار مركزية القيم والمبادئ في حياة الإنسان، لينطلق في كل حركاته وأعماله ومواقفه من خلال تلك المبادئ والقيم، وليكون سلوكه في الحياة منسجماً معها.

وحين يواجه الصعوبة في الالتزام والتطبيق، فعليه أن يوطِّن نفسه على مواجهة ذلك التحدي بثقة واطمئنان.

كيف يتجلى مبدأ العبودية في مناسك الحج؟

تمثل مناسك الحج - كما ذكر سابقا - ورشة عمل كبرى يتدرب فيها الحجيج على تطبيق القيم والمفاهيم الدينية، ويختبرون تحويلها من عالم الأفكار والإيمان القلبي إلى أرض الممارسة الفعلية السلوكية.

ومن أهم تلك القيم والمبادئ التي تتمحور حولها مناسك الحج مبدأ التوحيد وإخلاص العبودية للّه تعالى، ومبدأ وحدة الأمة.

وقد قرن اللّه تعالى بين التأكيد على وحدة الأمة والتأكيد على ربوبيته في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [سورة الأنبياء، الآية: 92]، وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [سورة المؤمنون، الآية: 52].

فالمسلم يؤمن بمبدأ العبودية للّه تعالى، وما يعنيه هذا المبدأ من الخضوع والانقياد لأوامر المولى عز وجلّ. لكن هذا المبدأ يصبح التزاماً وسلوكاً عملياً يطال مختلف تفاصيل حياة الإنسان ضمن مناسك الحج، حيث عليه أن يتجرد من ملابسه المعتادة، ويقتصر على لبس قطعتي الإحرام، ويُحظر عليه أن يتصرف حتى في شعرةٍ من جسمه، بأن يتعمد إزالتها بنتف أو حلق، كما لا يحق له أن يلمس أو ينظر إلى امرأة بشهوة وتلذذ حتى زوجته، ولا يجوز له شمّ الروائح الطيبة حتى في الفاكهة التي يأكلها، في الوقت ذاته ليس له أن يمتنع عن شمّ الروائح الكريهة بأن يمسك على أنفه منها.. ويطلب منه أن يطوف بالبيت الحرام أشواطاً محددة العدد والابتداء والانتهاء، وأن يسعى كذلك بين جبلين، وأن يقضيَ أوقاتاً محددة في أماكن بعينها، وأن يلتقط حصى بمواصفات معينة، ليرميَ بها مكاناً معيناً في زمن محدد، وأن يحلق شعر رأسه في وقت معين.. وهكذا تأتي الأوامر الإلهية لتمسَّ هذه التفاصيل في حياة الحاج، ولتجتاز به رحلة عمل مجهد شاق، يترجم من خلالها معنى الخضوع لأوامر اللّه تعالى، ويتدرب على العبودية المطلقة له.

الناظر للحجيج وهم يتحركون في ربوع مكة وما حولها يهوله المنظر.. أمة واحدة، في منسك واحد.

في هذا الموسم يلتقي الحجيج من أبناء الأمة على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم، وبلدانهم، وطبقاتهم، ومذاهبهم، يلتقون في زمن واحد، وعلى صعيد واحد، وفي زيّ موحد، حين يلبسون الإحرام، ويهتفون ملبّين للّه تعالى بعبارة واحدة، ويشتركون جميعاً في أداء مناسك وأعمال واحدة.

إن مفردات مناسك الحج صيغت بعناية إلهية فائقة، لتؤكد في نفس الإنسان المسلم، مبدأ التوحيد للّه ووحدة الأمة، عبر برنامج عمل سلوكي، في رحلة عبادية روحية..

فما أروع مشهد الطواف حول البيت الحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات ومزدلفة، ورمي جمرة العقبة، وما أروع انتظام صفوف الحجيج في أداء صلاة الجماعة، حيث ترى في تلك المشاهد كتلة بشرية كبيرة تختلط فيها الألوان والأشكال، وتتداخل اللغات والأصوات، وتمتزج الأعراق والانتماءات.

فكيف يكون الحج دعوة لوحدة الأمة؟

إن مناسك الحج تمثل ورشة عمل وتدريب على انصهار الأمة في بوتقة الإسلام، ولتحقيق برنامج التعارف بين مكونات الأمة وأجزائها، فيلتقون على صعيد واحد، ليتعارفوا وليتدارسوا شؤونهم المختلفة، وليتفقوا على التعاون فيما بينهم لخدمة مصالحهم العامة وأهدافهم المشتركة.

إنه مؤتمر عالمي جماهيري ينعقد في أجواء روحية سامية، تتعزّز من خلاله مشاعر الوحدة والتضامن، وتتأكد عبره روح الانتماء للدين والأمة.

إن هذه الرسالة التوحيدية الوحدوية التي تحملها مضامين مناسك الحج، يجب الاهتمام بها، والتأمل فيها، والتفاعل معها، لتستفيد الأمة من آثارها وانعكاساتها في إدارة شؤون الحياة. فإن ذلك هو ما يحقق أهداف ومقاصد فريضة الحج العظيمة، حتى لا تبقى مجرد ممارسات وحركات طقوسية.

وفي هذا العصر بالذات ما أحوج الأمة الإسلامية إلى تأكيد وحدتها وتعزيز تماسكها، حيث تواجه عواصف الفتن المختلفة، التي أصبحت تهدد أوطانها ومجتمعاتها بالتمزق والتشظي والاحتراب. وخاصة فتنة الصراعات والانقسامات الطائفية.

إن موسم الحج ومدرسة مناسكه العظيمة تقدم للأمة أفضل فرصة لتجديد روح الوحدة، وتعزيز مفهوم الأخوة الإيمانية والتضامن الإسلامي.

وعلى قادة الأمة والحريصين على وحدتها أن يستثمروا أجواء الحج المباركة في تحقيق هذا المقصد السامي والهدف العظيم.

كيف نحسن استثمار أجواء الحج فنبث في الأمة ثقافة الوحدة؟

ذلك يكون بأن لا يخلو خطاب أو حديث يوجه للحجيج أو يتناول موضوع الحج من الحثّ على الوحدة والتآخي بين أبناء الأمة، انطلاقًا من أن الحج مشهد وحدوي، يُظهر ويجسِّد وحدة الأمة، كما يتيح أفضل الفرص لتأكيد هذا المبدأ في أوساطها، حتى يعود الحجيج إلى مجتمعاتهم مبشرين برسالة الوحدة، داعين إلى الالتزام بها.

ويتحمل العلماء والدعاة المتواجدون في صفوف الحجيج مسؤولية كبيرة في تبيين هذا المبدأ الإلهي القرآني، وخاصة خطباء الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة.

كما أن لوسائل الإعلام المهتمة بتغطية ونقل أخبار الحجيج دوراً أساساً في خدمة رسالة الحج التوحيدية الوحدوية.

على صعيد مكة المكرمة يجتمع حجاج متنوعون في أعراقهم وقومياتهم ومذاهبهم، وينتمون إلى مجتمعات تختلف في ثقافاتها وعاداتها وأعرافها، كيف ننشر ثقافة التسامح والاحترام المتبادل بينهم؟

ذلك يكون بالتأكيد على القيم الإسلامية المشتركة، وعدم إثارة ما يسبب نزاعاً أو خلافاً.

وقد نصّ القرآن الكريم على النهي عن الجدال لمن أحرم بالحج، لتكون أجواء الحجيج بعيدة عن أدنى شائبة خلاف، أو إثارة حزازة وحساسية.

يقول تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [سورة البقرة، الآية: 197].

وقد ورد في تعريف الجدال أنه: «المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة».

وفي هذا التفسير إشارة وإيحاء للنهي عن الجدال فيما يرتبط بجوانب المسألة الدينية، وادّعاء كل طرف بأنه الأصوب نسكاً والأتمّ حجاً.

«إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا...»، ما هي الدلالات التي يحملها الخطاب النبوي الشريف؟

حين نقرأ خطب رسول اللّه في حجة الوداع نرى فيها تركيزاً كبيراً على رعاية الحقوق والحرمات بين المسلمين، ورفض أي إثارة لنزاع أو خلاف كالنزاعات السابقة في الجاهلية.

وهذا المقطع الوارد هو جزء من خطبته بعرفة كما أوردتها مختلف المصادر الإسلامية: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ، ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع».

وله خطبة أخرى بمنى في اليوم العاشر كرر وأكد على المسلمين رعاية الحرمات، وحفظ الحقوق وتعزيز الأخوة الإسلامية فيما بينهم، ومما جاء فيها قوله : «أي شهر هذا؟ أليس بذي الحجة.

قالوا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ أليس البلدة؟ قالوا: بلى. قال: أي يوم هذا؟ أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى.

قال: فإن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا إن المسلم أخو المسلم، فليس يحل لمسلم من أخيه شيء، إلا ما أحل من نفسه، وحتى دفعة دفعها مسلم مسلماً يريد بها سوءاً حرام. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

وسأخبركم من المسلم، من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة اللّه تعالى.

ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض وأنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد».

هكذا يؤكد رسول اللّه في كل يوم من أيام الحج، وفي كل خطبة يوجهها للحجيج، على مبدأ الوحدة والأخوة، وعلى أن يحترم الناس حقوق بعضهم بعضًا، بغض النظر عن أعراقهم وانتماءاتهم.

إن هذه الخطب النبوية يجب أن ترسم لنا سياسة الخطاب الإسلامي في موسم الحج، بأن يكون خطاباً توحيدياً يؤكد على الوحدة والأخوة والتسامح، وحفظ الحقوق والحرمات بين أبناء الأمة.

لكن الخطاب الذي نسمعه في تلك الديار المقدسة يختلف عن هذا.

مما يؤسف عليه أن هناك من يسيء إلى أجواء الحج الوحدوية المباركة ببث خطاب متشنج، يركز على قضايا الخلافات المذهبية بين أبناء الأمة، ويتهم فئات وطوائف من الأمة في دينها، مما يؤدي إلى حدوث بعض الاحتكاكات، ويعكّر أجواء المودة والإخاء بين المسلمين.

إن الخلاف في بعض التفاصيل العقدية والفقهية، وتقويم الشخصيات والأحداث التاريخية أمر قديم في تاريخ الأمة، وعلى أساسه تنوعت مذاهبها ومدارسها الفكرية والفقهية، وإذا كان البحث العلمي والحوار المنطقي مطلوباً في موارد الخلاف، للوصول إلى الحق ومعرفة الصواب، فإن ذلك لا يتحقق بكيل الاتهامات، وترويج الشائعات، والتحريض على الكراهية، وإساءة التعامل مع ضيوف الرحمن وحجاج بيت اللّه الحرام.

إذا كان الحج مؤتمر إسلامي عالمي، وإذا كان لزاما علينا استثماره في تعرّف المسلمين إلى بعضهم بعضًا، فهل من برنامج لصنع ذلك؟

يجب استثماره بالتوافق على برامج عمل وتواصل دائم، بما يخدم قضايا المسلمين المشتركة ومصالحهم العامة. ولا ينبغي أن يتقوقع أهل كل بلد أو مذهب من الحجيج على أنفسهم، بل تجب المبادرة إلى الانفتاح والتواصل، وخاصة على نخبة المجتمعات الإسلامية، من العلماء والدعاة والقادة وذوي الرأي والناشطين الاجتماعيين، ممن يتوفقون لأداء فريضة الحج.

كما ينبغي لكل حاج أن يغتنم الفرصة بتكثيف حضوره ومشاركته في صلاة الجماعة في الحرمين الشريفين، بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ولا ينبغي أن يكون الاختلاف المذهبي عائقاً عن المشاركة في صلاة الجماعة المقامة في الحرمين الشريفين، وقد سئل المرجع الديني السيد علي السيستاني عن خروج بعض أبناء الطائفة من المسجدين الشريفين حين إقامة الجماعة فأجاب:

«هذا العمل غير مناسب، بل ربما لا يجوز لبعض العناوين الثانوية كالإساءة إلى سمعة المذهب ونحو ذلك».

وفي أول موسم حج بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وجّه الإمام الخميني بياناً للحجاج الإيرانيين ولجميع الشيعة بتاريخ 28 شوال 1399ه، طالبهم فيه بالمشاركة في صلاة الجماعة مع أهل السنة، واجتناب أي عمل يثير حساسيات الخلاف والتفرقة بين السنة والشيعة.

ومما جاء في ذلك البيان:

«يلزم على الأخوة الإيرانيين والشيعة في سائر البلدان الإسلامية، أن يتجنبّوا الأعمال السقيمة المؤدية إلى تفرقة صفوف المسلمين، ويلزم الحضور في جماعات أهل السنة، والابتعاد بشدة عن إقامة صلاة الجماعة في المنازل، ووضع مكبرات الصوت بشكل غير مألوف، وعن إلقاء النفس على القبور المطهرة، وعن الأعمال التي قد تكون مخالفة للشرع».

عن أي ثقافة تنطلق هذه الفتاوى؟

إن مثل هذه الفتاوى تنطلق من الحرص على رعاية وحدة المسلمين وتآلفهم، وتمكّن الحجيج من الانفتاح والتواصل مع بعضهم بعضًا، بما يؤكد الاحترام والثقة المتبادلة، ويبني جسور التعارف والتعاون بينهم على البر والتقوى، انسجاماً مع رسالة الحج العظيمة.