آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

المتنبي والجواهري وماهية الجمال

حسين الخليفة صحيفة الشرق

لعل المتنبي قد سبق دراسة علي الوردي التي ركزت على ثنائية البداوة والحضارة والصراع بينهما. غير أنه - بخلاف الوردي - قد وقف مع البداوة العفوية غير المشوهة بعقد وإضافات المدنية، يظهر في قوله:

حسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ

وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ

فالفتاة البدوية جمالها مشرق أخّاذ لا يحتاج إلى مساحيق ليلفت الأنظار إليه. وإلى ما يقترب من هذا المعنى يشير الجواهري قائلاً:

دعاني جمالكِ فيمن دعا

فلبيتهُ مسرعاً طيّعا

أسيدتي ما أرقَّ الحجابَ

يثيرُ الفضولَ وما أبدعا

لقد حرتُ أيّاً من الفتنتين

أصدُّ، سناكِ أم البرقعا؟!

فالنصان - بدليل ذكر البرقع، وهو من أزياء البدويات - يتمحوران حول موضوع واحد، وهو الإشادة بجمال البدوية الطبيعي، كما يوحيان بعدم ميل الشاعرين إلى طلب الجمال بأشكاله المدنية المنهمكة بالتطرية والتزويق.

ويشي النصان بظلالهما إلى ميل النفس المرهفة حساً وشغفها بكل ما هو جميل في ذاته، وأن عشق الجمال بما هو هو، يتعلق بتمثلاته كلها وبكل مظاهر الوجود المادية الملموسة والمعنوية المحسوسة.

وإذا ما صرّح منطوق النصين ومفهومه بنفوره من جمال التزويق المدني، ومن وظيفة الشاعر أن يعمل على شحذ الأحاسيس، وعلى الإعلاء من قيمة الجمال من خلال الإلفات إلى مصاديقه المختلفة في الحياة، ويعمل بدلالة الضد أيضاً على نبذ القبحيات والتنفير منها، وتنبيه النفوس الغافلة التي قد تقع فريسة التزويق والدعاية المكثفة إلى ما يجانف الفطرة والذوق السليمين، فإنه يضعنا - والحال هذه - أمام تماهي الذاتي والأخلاقي وقدرة النص الأدبي على تحقيق غاياته المبدئية، دون التنازل قيد أنملة عن لغته الفنية المشرقة.

إنها دعوة إلى مراجعة أدب القرن العشرين الميلادي - خصوصاً في نصفه الثاني - والنظر إليه بمرآة «تماهي الذاتي الأخلاقي» وصولاً إلى كشف قيمته دون الاغترار بنقد «التطرية والتزويق» الرامي إلى تحقيق غاياته ومنطلقاته، ومن هنا تكمن أهمية المراجعة.