آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 2:59 ص

القبض والبسط في البعد الاجتماعي الخليجي

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

تعد نظرية القبض والبسط في مجال المعرفة للمفكر الدكتور عبد الكريم سروش من أهم النظريات المعرفية والتي تهتم بشكل كبير بمعالجة مفهوم الثابت والمتحول في مجال القراءة الدينية للنص. 

وكما جلبت نظرية داروين في وقتها «النشوء والارتقاء» وبالذات مفهوم التطور من قفزة نوعية لا في مجال علم الاحياء فحسب بل كافة العلوم كعلم الاجتماع لتتوسع خارج اطار مجالها تعبيرا عن عمق تطبيقاتها فهكذا كان لنظرية القبض والبسط تطبيقات اجتماعية واسعة كالدراسات المتعلقة بشؤون المرأة والقراءات الجديدة لعلاقة المجتمع الديني بالموسيقى. 

القبض والبسط استعارة يراد بها قياس حجم التحول والتغيير في بعد التطور. من أهم الجوانب المهمة لهذه النظرية الاهتمام بالتمييز بين تراكم المعرفة والمعرفة المنتجة. فوفرة المصادر المعرفية وكثير الانشغال بتحصيلها لا علاقة طردية لها باشكال العلوم المتولدة منها او المهارات التي تتراكم بفعلها. 

ولعل أهم جانب في النظرية هو ان المعرفة المنتجة بفعل ادوات الاجتهاد حجم ثباتها نسبي بفعل التحليل والتمحيص وهي بذلك في انقباض وانبساط بما يتولد على اركانها لتصبح المعرفة البشرية معرفة سيالة ومتحركة. 

ولا يعني التحول في المعرفة البشرية نقضا للسابق بل كسبه بعدا اوسع في ادراكاته وتطبيقاته، فالقبض ليس نقضا والبسط ليس استيلادا بل كلاهما حركة تطويرية نتاجها فهم جديد للمعرفة. 

من خلال هذا الاستعراض الموجز للنظرية يمكن ان نركز على تطبيقاتها الاجتماعية المهمة في أهمية حجم القبض والبسط الذي طرأ ويطرأ على المجتمع الخليجي خلال حركته المدنية واثر ذلك على جملة مفاهيمه الفكرية والقيمية الراهنة. 

ومن اهم الجوانب المرتبطة بهذا الجانب القبض والبسط لمكونات التعايش الاجتماعي. عندما يتحول مجتمع من قمة البساطة كمجتمع الصيد او الفلاحة الى قمة التعقيد المدني والعلاقات الانسانية قد يتراءي لاول وهلة ان التحول في اتجاه تصاعدي نحو البسط المعرفي الثقافي ولكن السؤال الادق كم انقبض من المجتمع الخليجي في بعده التعايشي وكم انبسط؟ كم كان لهذا الركام المدني والتطور العلمي الكسبي من اثر في انتاج معرفة علمية تعزز مفهوم التعايش وتكسبه أبعادا أوسع؟ قد يتفاجأ المرء اذا ما اتخذنا من ميزان الطائفية والفئوية مقياسا للتعايش في وقتنا المتمثل بقمة التوسع المدني والتعليمي للمجتمع الخليجي ان يلاحظ ان الابعاد التعايشية الضامنة للوحدة الاجتماعية قد اصيبت اصابة موجعة. 

ان تصاعد ميزان السلوك الطائفي كسلوك ومنتج معرفي بالرغم من الركام التعليمي والثقافي الهائل الذي يعيشه الخليج اليوم يؤكد وبقوة على ان التحول والتغيير في شكل السلوك والمعرفة المنتجة ليس بالضروري مرتبطا بلون واشكال الوفرة المعرفية. 

ان هذا الواقع الاخاذ من التمدن والتعليم يغري بدعم اتجاه الانبساط لقيم التعايش وتحول قيمه الاولية الساذجة للمجتمع القديم الى اشكال اكثر تجذرا ووعيا لا انقباضها بفعل التمدن. 

ان هذا الانموذج الاجتماعي يؤكد وبقوة على ضوء القبض والبسط ان القراءة المعرفية للقيم لا ترتبط بكم المعرفة ووفرتها بل مرتبط بشكل اكثر عضوية بالادوات المعرفية التنقيبية التي تستخرج العناصر الاولية لمفاهيم التعايش وتطويرها من خلال ابتكار مهارات اجتماعية لتصبح متوائمة مع الاحتياجات المدنية للمجتمع الخليجي الراهن. 

لعل أهم العوامل التي افرزت تصاعد مؤشر الطائفية في المجتمع الخليجي هو ضعف او عدم الالتفات للقراءات العلمية المعنية بقياس وتطوير المنتج المعرفي للمجتمع الخليجي بموازاة ما يشهده المجتمع من الوفرة المعرفية والمؤسسات التعليمية. 

مما لا خلاف عليه ان المفاهيم القيمية المفرزة للتعايش ودعم التنوع الفكري والمذهبي للمجتمع الخليجي الحاضر في ازمة مهددة لوحدة كيانه وبحاجة حاسمة لحركة قبض تقوض عناصر الضعف وبسط لتفرز من كيانه التعايش الطبيعي.