آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الاختلاف منطلق تنمية

ارتبط معنى ودلالة هذا اللفظ بشكل سلبي في أذهان الكثير، فلا ينفكّ عن معنى القطيعة والكراهية والتراشق بأقذع العبارات بين المختلفين، وقد تصل الأمور إلى حدّية أكثر في تشخيص المواقف والأحداث، وهذا ما يبيح للبعض أن يصف موقف المخالفين له بعبارات الاستجهال والاستغباء.

و السؤال المهم: هل الاختلاف أمر عرضي يمكن إزالته بسهولة، وذلك لإيجاد انسجام وتوافق في العلاقات بين الأطراف المختلفة؟

ما يخفى على البعض أن الاختلاف أمر بدهي في كثير من المفاهيم والحقائق، وأسباب الاختلاف متعددة، ولكن أهمها أن نظرتك لأي أمر إنما هي قائمة على مقدّمات أوصلتك إلى النتيجة المعينة، فإذا اختلفت مبنيات الأمر عند الآخر ستختلفان في النتيجة قطعاً.

تتعدّد زوايا النظر للأمور، وهذا ما يحدث اختلافاً في الوجهات والآراء، فلا تستغرب ولا تضجر إن اختلف معك زميلك أو صديقك أو زوجتك في أمر ما، ومن الخطأ أن تظنّ نفسك الوحيد الذي يفهم، وما خالفك من رأي يكون خاطئاً، بل عليك احترام وجهة نظره، وأن تسلك طريق عرض رأيك للوصول إلى إقناعه في حوار هاديء.

إن الاختلاف طريق إمداد للنضج الفكري، وتنمية للخبرات والتدقيق في الأحداث، فقد ترى الأمر من زاوية، وتغفل عن أخرى يراها غيرك، وما تقدّم العلوم واتساعها إلا نتاج لوجهات النظر المختلفة.

و ما نجده من آثار سلبية يعتقد البعض أنها من آثار الاختلاف، في الحقيقة هي نتاج الأخطاء المصاحبة لعرض وجهة نظره، فالتعصّب للرأي والتزمّت الفكري، وعدم مراعاة آداب الحوار، وعدم احترام وجهات نظر الآخرين وتجاهلها أو تناولها بأسلوب السخرية وغيرها مما يصاحب الأجواء الملتهبة والحمم البركانية التي يقذفها البعض في حواراته، هي في الحقيقة سبب وراء الصورة السوداوية لاختلاف الآراء.

و البعض يحمل فكرة الإيجابية في العلاقات إذا كان هناك اتفاق تام في الأفكار والتوجّهات، وأي خلاف يعني تشرذماً وضعفاً في القوة المجتمعية، وهذا ناشيء من التربية الخاطئة التي تلقّاها، ومفادها أن الاجتماع في كل شيء قوة، والاختلاف ضعف ووهن ينخر النسيج الاجتماعي، وهذا اشتباه، إذ أن التعددية الفكرية أمر طبيعي وإيجابي، فلا يمكن القبول باجتماع على فكرة معينة دون قناعة، بل لمجاملة الآخرين، فإذا كان الاختلاف الفكري أمر بدهي لتعدّد وجهات النظر والأسس القائمة عليها، فيمكننا أن ندخل في حوار راق ومتحضّر، يبدي فيه كل طرف فكرته ومؤآخذاته على الآراء الأخرى، وبذا تتبلور فكرة جميلة يمكن أن يبني عليها الآخرون مرئياتهم، فلو رجعنا إلى التقدّم والتشعّب في العلوم المختلفة ولوجدنا أنها قائمة في أحد أبعادها على الرأي والنقاش المستفيض عليه ولتتبلور فكرة جديدة هي نتاج ما مضى مع لمسات جديدة.

التلاقح الفكري والتواصل المعرفي أحد جوانب الحضارة الإنسانية والمتعة العقلية، إذ تكون الأفكار الراسخة قائمة على الدليل والإقناع والحوار الهاديء، وهذا ما كانت عليه سيرة العظماء من الأنبياء والأولياء في عرض فكرة التوحيد والإيمان بالله والشواهد كثيرة، ويكفي أن رجع لحوارات الأنبياء الكرام في القرآن الكريم.

الاختلاف أمر منبوذ إذا اتّخذ منحى العنف والإقصاء والإلغاء للآخر، واتخذه البعض وسيلة لزرع الكراهية وجمع من حوله على تعصّب أعمى، ويتحوّل التجاذب الفكري إلى قطيعة واستعداء وإضمار السوء للآخر.

العقلاء لهم دور كبير في بناء جسور التواصل وليكتشف من على عينيه غمامة فكرية أن النقاط المشتركة كثيرة، ومساحة الاختلاف ضيّقة وتزداد ضيقاً كلما التقى مختلف الأفراد والأطراف.