آخر تحديث: 24 / 1 / 2022م - 4:00 م

كاتبة في التسعين من عمرها

مهدي صليل

في شهر يونيو 2021م زرت مدينة كيب تاون، وهناك تعرفت على الدكتور محمد الحسني، «دكتوراه في الهندسة من جامعة لندن 1980م» ومن خلال تواصلي معه أرسل لي بعض مؤلفات والدته الكاتبة الفاضلة رفعت الوتَّار، التي تقيم معه في جنوب أفريقيا منذ عدة سنوات.

ما لفت انتباهي ودعاني لطلب المزيد عن شخصيتها هو استمرار اهتمامها وتفاعلها مع القضايا الثقافية والدينية رغم بلوغها التسعين من عمرها، وقد كتب لي ابنها تعريفاً عن شخصيتها، أنقله بتصرف:

ولدت في بغداد عام 1930م، وتلقت تعليمها في العراق إلى أن أكملت المرحلة الثانوية، ولأن عائلتها لا تؤيد الاختلاط لم تكمل تعليمها الجامعي، لكنها اهتمت بالقراءة وطورت مستواها عبر التثقيف الذاتي.

في عام 1996م وبعد وفاة زوجها هاجرت إلى أمريكا، والتحقت بأبنائها الذين هاجروا من العراق في ثمانينات القرن الماضي، فوجدت لديها الوقت والفرصة للكتابة، فكتبت في بادئ الأمر قصصاً واقعية عن مآسي التهجير والحروب المدمرة، وبعد ذلك تحولت إلى الأبحاث التاريخية وألفت عن مسيرة الأنبياء في القرآن الكريم، ثم كتبت عن مسيرة الأئمة في التاريخ الإسلامي، وبلغت مؤلفاتها حوالي عشرين كتاباً، منها:

1/ مسيرة الأنبياء في القرآن الكريم.

2/ مسيرة الأئمة الاثني عشر «ثلاثة أجزاء»

3/ علماء الدين ودورهم في التاريخ الإسلامي.

4/ المرأة في صدر الإسلام.

5/ الإمام الحسين سيد الثائرين.

6/ الهلع من الشيعة والتشيع.

7/ الشيعة ومسيرتهم في التاريخ الإسلامي.

8/ المرأة في صدر الإسلام.

9/ كفاكم تمزيقاً للإسلام.

10/ الرد على مسلسل الحسين

11/ الرد على شيخ سلفي.

12/ تاريخ العراق منذ الحضارة الأكدية.

ومن خلال عناوين مؤلفاتها نستشف اهتماماتها، وحضورها ومتابعتها للشأن الديني والثقافي، ومن جهة أخرى تجاوزها الحالة السائدة لدى أغلب الناس في الركون إلى الدعة والاسترخاء مع تقدم العمر!

كتاب «المذهب والوطن»

أيام تواجدي في كيب تاون حدثني الدكتور محمد عن إعجاب والدته بكتاب «المذهب والوطن» وهو الحوار الذي أجراه الأستاذ عبد العزيز قاسم مع سماحة الشيخ حسن الصفار، سنة 1425 هـ  2004م، ونشر في جريدة المدينة السعودية.

فقد قرأت الكتاب في ثلاثة أيام تقريباً، ثم كتبت تعليقاً ضافياً من سبع وعشرين صفحة، استعرضت أهم ما جاء في الحوار، وعلقت على فقرات كثيرة منه، موضحة وجهة نظرها حول أسئلة الأستاذ عبد العزيز قاسم وإجابات سماحة الشيخ الصفار.

تقول في بداية تعليقها:

بين الحين والآخر يظهر علماء ومثقفون وكتاب يناضلون في سبيل ردم الهوة بين الشيعة والسنة، وعندما تصفحت كتاب «المذهب والوطن» تذكرت كتاب «المراجعات» للسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، حيث اجتمع مع شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري سنة1911م وجرت بينهما مناقشات حول الإمامة.

وفي منتصف القرن الماضي «58 -63م» تواصل شيخ الأزهر محمد شلتوت مع لفيف من علماء السنة ومنهم الشيخ مصطفى المراغي والشيخ محمد المدني والشيخ حسن البنا وآخرين ومن علماء الشيعة الشيخ محمد تقي القمي ومحمد حسين كاشف الغطاء ومحمد جواد مغنية وشرف الدين الموسوي وغيرهم، وعقدت مؤتمرات ناجحة، تمخض عنها تدريس المذهب الجعفري في الأزهر باعتباره المذهب الخامس، وأصدروا مجلة ”رسالة الإسلام“

هذه العبارة للأستاذة الكاتبة تكشف مستوى ثقافتها واهتمامها بموضوع وحدة المسلمين.

وعن كتاب المذهب والوطن تقول:

عند تصفحي كتاب «المذهب والوطن» لفت نظري ما كتبه الأستاذ محمد سعيد الطيب مقدم الكتاب، حيث يقول: ”استوقفتني أفكار وتوجهات سماحة الشيخ الصفار الداعية إلى الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والعدالة والحقوق المتساوية والفرص المتكافئة والمجتمع المتواد المتحاب والرافض للتناحر المذهبي - خاصة وإن ثقافتنا الإسلامية متهمة الآن - بعد أحداث 11 سبتمبر - بأنها تعصبية، تدعم الإرهاب والتطرف، وكراهية الآخر - في حين أن المخلصين من مفكري الأمة يناضلون لإبراز سماحة الإسلام وتعاليمه في احترام الانسان بين أبناء والتعايش بين أبناء البشر. ولكن - وللأسف - واقع التشنج والاستعلاء غير المبرر والصراع الداخلي بين دعاة الجهوية والقوى والمذاهب يلغي كل هذه الجهود المخلصة. إذ كيف يتسنى إقناع الآخرين - من غير المسلمين - باستعدادنا للتعايش معهم، واحترام حقوقهم في ظل عجزنا عن التعايش فيما بيننا. بل وكيف نقنع الاخرين، بأننا مستعدون لقبول الرأي الآخر، والتعايش مع الأديان الأخرى والبشرية جمعاء.؟“

من يتصفح كتاب المذهب والوطن يتأمل فيه خيراً ولاسيما حين يعرف أن هذه المكاشفة هي من وحي الحوار الوطني الذي بدأته المملكة في تلك الفترة برعاية سمو ولي العهد الأمير عبد الله عبد العزيز، وهي بين شخصيتين مثقفتين، الإعلامي عبد العزيز قاسم الذي أعلن أن أسئلته ستكون في صراحة شديدة، والشيخ حسن الصفار المعتدل الذي تعهد أن يكون واضحاً في طرح الإجابات والأفكار والمطالب والتطلعات في حدود المحافظة على المصلحة العامة والالتزام بآداب التحاور والتخاطب في الإسلام.

لقد جاءت هذه المكاشفة في وقت الإسلام متهم بالإرهاب، والأهم أنها جاءت من السعودية والتي هي مركز الثقل الإسلامي ومنها تصدر الفتاوى التي يتبعها العالم الإسلامي.

إن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بالوحدة حيث قال﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.

هذا ما اقتبسته من قراءة الأستاذة الكاتبة رفعت الوتار لكتاب المذهب والوطن،

ومن يطلع على كتاباتها وآرائها يدرك مدى الحيوية الفكرية التي تتمتع بها وهي في هذا العمر.

إنها أنموذج رائع للمرأة في عالمنا العربي والإسلامي، حيث ارتقت باهتماماتها وتطلعاتها الشخصية وصقلت قدرتها الكتابية، وشاركت بالكلمة الهادفة في الدعوة إلى وحدة الأمة ونبذ الخلاف والشقاق، وهو ما يكشف عن سلامة طويتها وحبها الخير للعالم من حولها.

آمل أن تسلط الأضواء على شخصيتها ويشاد بإنجازاتها، باعتبارها أنموذجاً رائداً ينبغي أن يقدم للمرأة المعاصرة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
زكريا ابو سرير
[ تاروت ]: 13 / 1 / 2022م - 3:44 م
مقال رائع جدا استاذ مهدي، سلمت اناملك الطيبة، رائعة هذه الشخصية التسعينية وتستحق ان يعمل عليها دراسات، واتمنى لو تواصلوا الكتابة عنها، شخصية بهذا العمق الزمني و الثقل الثقافي اكيد ورائها الكثير من الأسرار. دمتم موفقين