آخر تحديث: 24 / 1 / 2022م - 4:00 م

اللغة بين الفكر والخيانة

المختار بوخمسين

ما هي اللغة؟ هل هي أداة للتواصل؟ هل هي أداة للتعبير عن مكنونات النفس؟ هل هي أداة لوصف الأشياء؟ هل هي أداة تخليق لأشياء لم تكن؟ هل هي كل ذلك معاً؟ أم أن هناك أجوبة أخرى ربما تحمل في طياتها أبعاداً فلسفيةً أعمق.

اللغة وعاء الفكر

إن من أبرز ما يثير الأفكار لمحاولة الإجابة عن هذه التساؤلات هو ما لعلاقة اللغة بتكوين الشخصية والفكر. فالدارسين في علوم التربية يقولون أن هناك ترادفاً بين التربية اللغوية ونمو المهارات العقلية. فكلما تشبعت الطفولة بالمحتوى الأدبي، تطورت المهارات الفكرية إلى جانب المهارات اللغوية. وكلما تنوعت متلقيات اللغة بين مسموع ومقروء وممارس زادت وتيرة التقدم والتطور في هذه المهارات.

والدارسين في علم اللغات ينظّرون أن الفكر إنما يصاغ من خلال لغة الإنسان. وهم يعتمدون على الاعتقاد بأن التصورات الذهنية تنشأ من البنى اللغوية أولاً. بمعنى أن الأفكار هي ليست إلا جمل تصاغ في الذهن، بمعنى أنها تنشأ من لغة ذهنية مطابقة للّغة المحكية.

أما الأطفال الذين يحالفهم الحظ بالنشأة بيئة ثنائية اللغة أو ما يعرف ب bilingual speaker، «وهي نتيجة العيش في الغربة أو الزواج بالأجانب» فإن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يعيشون تجربتين مختلفتين. ولو كانت اللغتان من حيث المنشأ الجغرافي والثقافي متباعدتان كما هو حاصل بين اللغة الإنجليزية والعربية، فإنها لن تكون مسألة عيش تجربتين وحسب، بل هي أقرب إلى عيش حياتين لا يجمع بينهما إلا الظرف الحياتي لذلك الطفل، وخير مقولة لتوضيح هذا المعنى هو قول الإمام علي ، «كل لسانٍ بإنسان».

فتكون إحدى اللغتين التي يتحدث بهما الطفل وسيلة ليس لتعبيره عن نفسه ومشاعره وأفكاره وحسب، بل وسيلته في التفكير. وترى الحاجة عنده للتنقل بين اللغة الأولى والثانية بشكل بديهي وبجمل سليمة كاملة، متخيراً بين أفضل اللغتين ومستفيداً من المباني الكلامية والتعابير الصورية والعبارات الدارجة فيها لكي يشفي ما يلوج في خاطره وذهنه. وهنا نلاحظ كيف أن المواقف التي تعرف الطفل عليها لأول مرة في لغة ما، غالباً لا يعرف التفاعل معها إلا بتلك اللغة لأنه يعبر عنها بالمباني الكلامية المعروفة عنده لذلك الإحساس أو الموقف. ولو تعرف على موقف ما عن طريق اللغة الأخرى، فإنه لن يعرف التفاعل معه إلا باللغة الثانية لذات السبب.

التساؤل الذي يلي ذلك هو كيف تكون اللغة هي المحددة للفكر؟ وللجواب على ذلك باختصار، نقول أن الإنسان ابن بيئته واللغة هي انعكاسة لتلك البيئة. فكما تكون البيئة، تتطور اللغة. وكما أن البيئة مرتبطةٌ ارتباطاً عضوياً بنفسية الإنسان ونشأته وسلوكه فكذلك تأثير اللغة عليه. لتوضيح ذلك نتذكر كيف أن الحديث والتعامل مع ابن البادية مختلف كلياً عن ابن الريف الزراعي والتعامل مع ابن الجبل مغاير للتعامل مع ابن السهل أو ابن الساحل. فلكل منهم مفرداته وعباراته وصوره التعبيرية الفريدة، بل لكل فئة منهم السمات المزاجية والنفسية والجسدية والثقافية والسلوكية المغايرة كلياً عن الفئات الأخرى. وهنا يمثل أمامنا إذاً مثلث متماسك الأضلاع يتكون من الإنسان والبيئة واللغة.

اللغة والخيانة

هنا رأينا كيف أن لاختلاف البيئات الأثر الكبير في إحداث الفجوات بين المجتمع والآخر. وفي احتكاكاتنا الاجتماعية بين الشعوب والقبائل البشرية نرى ضرورة سد هذه الفجوات عبر الاستفادة من أبسط أدوار اللغة، وهي التواصل والتعارف. وقد أجاد البشر منذ أقدم الأزمنة سد هذه الفجوة بانتداب المترجمين للقيام بهذه المهمة.

إلا أن المترجم، بل المترجم المجيد، غالباً ما يجد نفسه في معضلة محيرة. معضلة أخلاقية، بل معضلة وجودية تضعه على محك حرج بين قومه والقوم الآخر. وقد نسميها معضلة أو نسميها هاجس أو نسميها حيرة.

هذه المعضلة يعبَّر عنها بالخيانة في الترجمة، أو يعبِّر عنها الفلاسفة بخيانة النص والوفاء للثقافة. بمعنى أن المترجم يجد نفسه في حيرة للأدوات اللغوية المستعملة في النص الأصلي إزاء اللغة الأخرى التي قد لا تسعفه بأدواتها للتعبير عن نفس المعاني والأفكار والمشاعر. ومهما كانت براعته في كلتا اللغتين إلا أنه يحس بعجزه المقلق حيال النقل الكامل للمعنى إلى لغة الأخرى. فهو خائن من حيث التعريف الفني للخيانة لا من حيث النية والمقصد.

وكلما تشبع النص بالجمال وبالمعاني وبالعمق، تضاعفت محنة المترجم أكثر. ويظهر لنا هذا الأمر جلياً حين نتعامل مع النص القرآني على سبيل المثال. كيف أن المتمكن الحاذق من اللغتين، يصّعّد في السماء حين يقرأ النص القرآني بلغته الأصلية، لكنه سرعان ما يهوي من جرف هار هو جرف ”خيانة المترجم“، بمجرد أن ينتقل إلى النص الأجنبي للآية.

تنويه: المقال مجتزأ بتصرف من محاضرة ألقاها كاتبها في أمسية من برنامج ”لقاءات مع عدالة“، برنامج أسبوعي يعقده منتدى المقهى الثقافي بالدمام.