آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المسلك الأخلاقي في الصيام

ورد عن رسول الله ﷺ: «ومن حسّن فيه خلقه، غفر الله له».

إنه ربط بين جوائز هذا الشهر الكبرى وهي مغفرة الذنوب والتجاوز عن خطاياه، وبين سلوك صادر منه يخصّ به هذا الشهر وهو تحسين الخلق.

من المباحث التي دار فيها الخلاف بين علماء التربية والأخلاق هو: هل الأخلاق سلوك فطري في الإنسان، أي ما يصدر منه من غضب أو تكبّر وغيرها؟

و بالتالي فإنه لا يمكن للإنسان أن يغيّر هذه الطباع الصادرة منه، ويكون مفهوم التهذيب والتزكية ضرب من الترف الفكري أو مفهوم في الذهن ولكن لا مصداق له في الخارج.

و النظرية الدينية والقرآنية هي أن سلوك الإنسان مكتسب، وإن تعدّدت العوامل المؤثّرة فيه، كالوراثة والبيئة المحيطة به «التربية»، ولكن هذا لا يمنع من وجود قدرة عند الإنسان قادرة على اختيار الحسن وترك القبيح وصادرة من معرفة عقلية، وإرادة تمنعه من التجاوز إلى ما يلحق النقيصة والعار به.

و هذا النصّ من رسول الله ﷺ يؤكّد على حقيقة اكتسابية الخلق، ووجود مبدأ التهذيب والتزكية القائمة على رغبة بحب الذات وجمالها والنفرة عمّا يصيبها بالاتساخ، وهكذا الأخلاق إما حسنة تكسب صاحبها مكانة عند خالقه والناس، أو يبوء معها بالمذمّة والخسران، فالأخلاق قبل أن تكون قيمة دينية فهي قيمة إنسانية لا يختلف على أكثرها العقلاء، ولذا قال رسول الله ﷺ: إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» فالبعثة النبوية كانت مؤكّدة وليست مؤسسة لأساسيات الأخلاق الحسنة، بل أضافت لها ما زادها جمالاً وتألّقاً في سماء الإنسانية.

و في شهر رمضان دعوة نبوية إلى إبراز الجانب الأخلاقي كأثر ما آثار الصوم، وكدليل على الاستفادة من مائدة هذا الضيف الكريم، فكل من حولك يشعرون بأنك بعد دخول شهر رمضان لك تصرّف وتعامل خاص لم يلمسوه من قبله.

و التعامل الأخلاقي يمكن فهم مصاديقه من خلال معرفة سعة علاقات الفرد الأسرية والاجتماعية، فهو وإن كان مطلوباً منه طوال السنة أن يتعامل بكل أدب واحترام مع من حوله، ولكن السلوك الأخلاقي له درجات «مفهوم مشكّك كما يقول علماء المنطق»، وليتّضح ذلك نأتي بمثال: تجاوزك عن صدور الإساءة في حقّك لا يكون بمستوى واحد، فالعفو مع الاحتفاظ بالحق درجة، والتجاوز مع الإحسان للمسيء درجة.

و مثال آخر: فإن العطاء ليس بمستوى واحد أيضاً، فعندما يوسّع المؤمن في الطعام على أهل بيته أو جيرانه في هذا الشهر، فهذا مطابق للدعوة النبوية بتحسين الخلق، والمهم هو أن يشعر أهلك وأصدقاؤك بمكانة هذا الشهر عندك، فعندما تتكلّم بشيء أو تتصرّف بأي تصرّف مع الآخرين، يشعرون بطيبة وتواضع أكثر من ذي قبل.

ورد عن الرسول ﷺ: «ما من عبد صائم يُشتم، فيقول: سلام عليك، لا أشتمك كما تشتمني، إلا قال الرب تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من شر عبدي، وقد أجرته من النار».

إذاً هذه أدنى درجات تحسين الأخلاق في هذا الشهر الكريم، وهي الانتقال من حالة السوء إلى حسن الخلق، فترك هذه المساويء كالغضب والسخرية والشتم وغيرها لخصوصية شهر الله، يحقّق مفهوم التحسين، ويلقى صداه في دائرة الثواب والجزاء، نعم، إنه الإجارة من نار جهنّم.

و ورد عنه ﷺ: إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتل، فليقل إنى صائم إنى صائم» «صحيح مسلم ج3 ص 157».

تحسين الخلق:

يتعلّل البعض بسوء خلقه بأنّ هذا طبعه ولا يمكنه أن يغيّره، وعلى الجميع أن يتكيّف مع أسلوبه الخشن إن أرادوا التعامل معه، فعصبيته وانفعاله ورفع صوته ليس باختياره ليعدّل منه، ولكن يمكن للآخرين أن يساعدوه بأن يتحمّلوا زفارة أخلاقه، وأن يصمتوا أمام أي عبارة مهينة تصدر منه، وهذه علامة حبّه في قلوبهم في نظره.

بل ويتحدّث عن تدعو إلى ضيق الخلق والانفعال الشديد في شهر الله تعالى، فالامتناع عن الطعام والشراب يصيبه بالصداع أو الألم في رأسه، وهذا ما يجعله عصبياُ لا يتحمّل نقاش من أحد.

و علاج هذا الأمر يكون بمعرفة أن الخلق اكتسابي، بمعنى أننا كما يمكن أن نتعامل مع الآخرين بخلق سيء كرفع الصوت والسخرية والسب، يمكننا أن نتعامل بأحسن الأخلاق، والمرء وما عوّد نفسه عليه.

ورد عن أمير المؤمنين : تخير لنفسك من خلق أحسنه، فإن الخير عادة، وتجنب من كل خلق سوأه وجاهد نفسك على تجنبه».

إذاً الخلق عادة يكتسبها الإنسان بحسب البيئة والخبرات التي يتلقّاها، ويمكنه أن يختار لنفسه الطريق الذي يلحقه بالثناء عند خالقه وخلقه.