آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 5:29 م

رمضان واخلاق الانتصار

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

ثمة مقولة تصدقها الافعال اكثر من الاقوال وهي التأكيد على اهمية المعنى بمعزل عن اخلاق صناعة الانسان. ان تكون منتصرا في الحياة وجامحا في طموحك بمعزل عن المعنى فتلك القطيعة التي من ورائها يقف كل هذا النصر المزيف المصنوع على اعتاب القيم والاخلاق. 

رمضان عندما يقبل اولى نفحاته المنبعثة هي المعنى المفعم بعطر النبوة الخاتمة التي تذكرنا بعمق ما تحمله هذه الايام من دروس في ان تكون صانعا للانتصار في اطار الاخلاق والقيم، فمن اليسير ان تحقق نصرا بهدمها والتسلق عليها. 

لعل الوجه الابرز في هذا الشهر الكريم هو اطلالة بدر فاتحة الانتصارات التي ركزت اوتاد الدعوة وصنعت اول اسس اخلاق الانتصار. ان الصراع الذي قلبت موازينه بدر كان يدور مع القوة الطاغية التي ترى في العدد والكم والتجرد من القيم كالقتل حتى المرأة والاطفال وإزالة اثار الحياة والتمثيل والسبي قابلها اخلاق هذا النظام الجديد الذي لم يكن حتى بدر الا قوة خافتة. 

«وهكذا كانت موقعة بدر نقطة تحول في تاريخ الصراع بين المسلمين والمشركين، بحيث لم تعد قريش القوة المهيمنة على الحجاز وبعض مناطق شبه الجزيرة، هذا إذا لم نقل إنها رسمت معالم المرحلة المقبلة لمصير قريش والمشركين». 

بدر جاءت بقوة الاسلام الجديدة في ما تحمل من اخلاق جديدة، انها تصنع الانتصار وتحقق المعنى وترفع مراتب النفس لكن ليس بالطغيان والتسلق على الاخلاق ادواتها. ما هذا النظام الجديد - بالعدد البسيط والقوة المتواضعة - يسحق هذا الطاغوت القرشي المتسلط ثم يقف على اشلاء اعدائه واسراه بكل تواضع ورحمة وفي قمة النصر المكلل تتجلى اخلاق النبوة بقمة الخشوع لانه نصر من الله وهو في حضرة الناصر الذي مده بالايمان. 

النبي الخاتم في بدر منتصرا يعبر في شهر رمضان كيف تصنع القيم والمعنى للحياة الجديدة وكيف يحتفل المنتصر بالمهزوم. بكل رحمة وتواضع يدعو الرفق بالاسرى واحترام القتلى وحرمة التمثيل بهم، وهو في وصاياه واذا به يرى النبي ابن مسعود وقد هم بسحب رأس ابي جهل الذي اشبعه ظلما لينهاه عن التمثيل فالمثلة حرام ولو بالكلب العقور لان المعادلة بكل بساطة لو عملت باخلاقه انهزمت اخلاقك. 

وعبر تعليم القراءة يضمن حرية الاسرى لا باسترقاقهم، هكذا وبكل قوة واقتدار تفتح بدر اخلاق الفاتحين الجدد لتستمر قريش المتغطرسة المهزومة باخلاق المستكبرين من الظلم والطغيان والتمثيل باجساد القتلى. 

بدر ليست انتصار قوة بل انتصار اخلاق كما لم تكن المعركة تدار بالسيوف بقدر ما دارها المصطفى الخاتم باخلاق النصر الجديدة. وهكذا فرمضان وبدر كل يعطي للاخر ويأخذ منه وهكذا رمضان ليس امساكا وافطارا بقدر ما هو كم تنسلخ من الغطرسة والاستكبار لتمنح روح التعالي والسمو وذلك في واقع الحياة وعبر حلبة التسابق للتفوق والنصر. 

اذا بقى رمضان معزولا عن صناعة اخلاق النصر فلم يبق منه سوى زهرة بلا عطر او بذرة بلا ثمرة. ان عالمنا تفوح منه رائحة المتغطرسين لتعم جميع ارجائه، فماذا اذا يصنع رمضان المفعم بروح بدر اذا لم يصنع اخلاق النصر، هل نرضى صائمين دون صناعة ونبقى في ظننا اننا هنا في رمضان وفي الواقع اننا هناك فلا ننتج شيئا سوى الجوع والعطش. عندما يحضر رمضان لابد ان تحضر بدر لا في لباسها العسكري بل في اخلاقها في ان تكون منتصرا ومربيا على خطى الخاتم المربي المعلم.