آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل يكون الشاعر الواعي في موقع المستثنى منه في سورة الشعراء؟

حسين الخليفة

لئن حاولت أدبيات النقد الحديث - خصوصاً في فترة النصف الثاني من القرن الميلادي المنصرم - أن تُصعِّد من فكرة فصل الشعر عن الدين أو الأخلاق، أو تسقطهما كمعيارين تُقاس بهما قيمة الشعر وغائيته وجدواه في الحراك الاجتماعي في مستواه التعبيري - على الأقل - فإنها تبقى محاولة لا تملك حظها الواسع من النجاح، وإن سُخِّر لها ما سُخِّر من أدوات وإمكانيات يقدِّر مداها مؤرخو الحقبة الأدبية المذكورة.

ذلك أن القفز على تديّن الناس وقيمهم الراسخة رسوخ الجبال، والاستخفاف بها، أمرٌ لا يمكن له أن يصدر من عاقل حكيم خبر الحياة وقدَّر الأمور بقدرها، مما يجعل المتتبِّع يكتشف بسهولة كيف كانت الأقلام المراهقة تسرح وتمرح في الجو الثقافي آنذاك، مثلما كانت الانقلابات السياسية تقاد من قبل الصبيان سنَّاً وتجربةً إذا ما قيسوا بوجوه المجتمع من الكبار الذين لم تسمح لهم خبرتهم بالأيام ولا مكانتهم الاجتماعية أن يكونوا في جوقة الحركات المريبة التي يقوم بها صغار السن ومن لا يمتلكون خبرة محترمة في الحياة.

ولئن وقع ما وقع وتشكَّلت خريطة الكائن الأدبي الجديدة بكل تضاريسها البعيدة كل البعد عن طبيعة المكان الذي تشكَّلت فيه، فإن هذه الخريطة بما تحمل من ملامح يسارية، وجودية، عبثية، سوريالية، وحتى صوفية منتزعة الأنساق موظفة الأذواق... لن تستطيع أن تحتل من الدين مكانته السماوية ومن الأخلاق مقاماتها السلوكية، وللتجارب التاريخية شواهد كثيرة تؤكد على الحقيقة تلك.

الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، والإنسان الواعي ذو النظرة الراسخة هو من يعي المنزلقات فلا يقع فيها انبهاراً بتيار جديد طارئ يناوئ نبض الفطرة الذي يحيا في قلبه حياة الصليل في سيف ذي الفقار..

والشاعر باعتباره إنساناً واعياً هو من يجيد التحكُّم بكلماته فيقودها إلى حيث يريد ولا يترك لها العنان لتقوده إلى حيث ما يُراد منه.

والشاعر الواعي هو من يمتلك قدرة تدبّر آيات سورة الشعراء، فيحاول أن يعجن كلماته بإشراقات نورها الأخَّاذ، وهو الذي يؤسِّس له موقعاً في الجانب المشع والمضيء ما بعد «إلا» منتظراً تحقُّق أو تحقيق نبوءة ما بعد «السين» من الانقلاب الموضوعي التعيُّني لمن هم في موقع ما قبل «إلا» أو «المستثنى منه» في الآية التي تتحدَّث عن انقلاب الصورة انقلاباً صيروريَّاً لا يسانخ انقلابات الصبيان السائرين في ركب حراك ثقافي أدبي عاكس لوعيهم وخبرتهم الضحلة في التعامل مع أمور الحياة.

إن أدب المرحلة المذكورة في غالبه هو أدب انبهار وضعف وضياع.

وهو أدب قلق وانكسار وأمراض نفسية كما هو أدب مراهقة وتوتر واندفاع.

إنه أدب خطابي مثقل بالمحمولات الفكرية المستوردة التي قضت على حرارته وعفويته وانسيابيته وسلخت منه طبيعته الشعرية المتوقعة فيه.

إنه أدب مثَّل نقَّاده المروِّجون له في كتاباتِهم ولقاءاتِهم أصدق تمثيلٍ فحوى المثل العربي القائل: « رمتني بدائِها وانسلَّت»..!

فهو الخطابي إلى النخاع ومع ذلك تجده بكل صلف يرمي غيره من الأدب الوفي لقيمه وأخلاقه بالخطابيَّة حتى اجترأ في ذلك على القرآن الكريم..!!

إن القرآن الكريم تحدى الإنس والجن في إعجازه، وهو - لثقته بنفسه - لا يعبأ بأقاويل المراهقين، ولا يضع نفسه في موضع الند لهم - وهو الخطاب الإلهي المعجز - إلا أنه قد انتصر للون من ألوان الخطاب البشري في سورة الشعراء، انتصر لبشر مؤمنين من الشعراء يشاركون المناوئين لهم في بشريَّتهم من أولئك الشعراء المدعومين نقديَّاً وسياسيَّاً، مراهناً على الزمن في ظهور علامات انتصاراتهم الحتمية.

إن اللاديني يؤمن بحتمية فكرته اللادينية، ويأخذ على الديني إيمانه بالحتمية الدينية، وينزلها منزلة التهمة التي تجعله يجعجع ويلعلع ويشنِّع بها عليه...!

فما أكثر المثقفين والمنظرين والمفكرين الذين يشابهون شعراء «موقع المستثنى منه» الذين يقولون ما لا يفعلون وفي كل واد يهيمون..!!

ومن هنا نظر القرآن الكريم إلى هزيمة شعراء «موقع المستثنى منه» قبل وقوعها؛ لما تحمل من نقاط ضعف ومركبات تفكك وانهيار في داخلها الذي سيعلن انقلابها من أعلى علِّييها إلى أسفل سافلين، ومآل الأمور إلى خواتيمها، « وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون »...

إن على الشاعر الناشئ أن يلتفت إلى أن الشعر في صورته العميقة علم قبل أن يكون مجرد موهبة، ووعي قبل أن يكون شراع عاطفة، وهو خيار فطري حر قبل أن يكون إجبار نسق أوجهة أ وعادة...، وعليه أن يضع نفسه - حينئذ - في الموضع الذي يرتضيه ويتحمل إزاء ذلك ما يلاقيه، أهو ما قبل «إلا» أم هو ما بعد «إلا»؟.... فله أن يختار، ولكن الزمان كفيل بأن يريه تبعات ذلك الاختيار.