آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

ازدواجية الآراء والمعايير

كثيراً ما نرى شخصاً يتسم بالابتسامة والبشاشة واللطافة في التعامل مع الآخرين، ونتفاجأ بما يحدّثنا به أحد المقرّبين منه أو أحد أبنائه أو زوجته عن تعامله العنيف معهم، فنصاب بصدمة في تصديق ما نراه وما نسمع به عن سلوكه.

إنها حالة اجتماعية يُصاب بها البعض، وهي تختلف عن حالة انفصام الشخصية، والتي هي حالة نفسية، فما هي معالم هذه الشخصية؟

ونقصد بصاحبها من تصدر منه آراء أو قرارات مختلفة فيما بينها، إذ أن إبداء فكرة أو قرار يعني أن تكون قد درست جوانب هذا الأمر بسلبياته وإيجابياته وعواقبه، وما وصلت إليه من نتيجة - بغض النظر عن صوابيتها - تعني قناعتك به وتحمّل لمسئولية إصداره.

ولكن بعض الأفراد يتخذ قراراً سرعان ما ينقضه، مما يوقع من حوله في حيرة واستغراب، بل ويفقد ثقة الآخرين به، فيا ترى ما هي أسباب الازدواجية في الآراء والقرارات؟

أولاً: الناحية النفسية: إذ هناك من يتصف بالتردد والتشكك في أي فكرة، فتارة يبدي هذا الرأي، وما إن يُقال له بأن كثيراً من العقلاء لا يقولون بذلك، فتراه متأثراً بهذا الإيحاء النفسي، والذي يجعل قراره كمن يقف على أرض طين ’ يشعر بالخوف من الانزلاق لأي حركة تصدر منه.

ثانياً: ضعف الشخصية: وذلك أن البعض لا يستطيع أن يتحمّل أي خلاف _ يعتقد حصوله - لتباين الآراء، بل وتراه يخاف من اطلاع الآخرين على رأيه في أمر ما، ويلجأ إلى الإبهام والإخفاء.

ثالثاً: القيم الاجتماعية: قد تكون هناك من القيم والأعراف في مجتمعه، مما لا يقبلها لتناقضها مع آراء العقلاء، ولكن إظهارها سيوقعه في اصطدام مع المجتمع، فيعمد إلى إخفائها.

والتلوّن الاجتماعي والنفاق والغيبة هي من مظاهر الازدواجية في أفكاره وسلوكياته، فما لا يستطيع إظهاره، يحاول أن يغلّفه بما يناسب مصلحته، ويعمل على تحريف الحقائق، أو إظهار المودة وحب المصلحة للآخرين عندما يريد أن يتحدّث عن آخر بسوء.

وتظهر الازدواجية كذلك في حكمه على شخصيات الآخرين، فتراه يصف فلاناً بالإيجابية أو المحبوبية وغيرها، وفي التطبيق نرى أن سلوك ذلك الشخص الموصوف - والذي يتفق معنا هو كذلك فيه - لا يتفق مع الحكم الذي أصدره عليه، مما يعكس ازدواجية في المعايير، بما يتوافق مع رغبات لا يظهرها.

والشدة في المعاملة من الوالدين أو المعلّم في المدرسة أحد أسباب هذه الازدواجية التي تظهر في سلوك الطفل أو المراهق، والذي لا يجد فرصة للتسامح مع الخطأ الصادر منه، بل يتم معاقبته والتشهير به بين إخوانه في البيت أو زملائه في المدرسة، فيلجأ إلى إخفاء سلوكياته غير المرغوب فيها، ولا يتكلّم إلا بما يتوافق مع قيم الأسرة والمدرسة، وهذا ما يحتّم على الأسرة والمعلم تربية الطفل والشاب على مبدأ تحمّل المسئولية وتصحيح الأخطاء، فهذا التعديل في سلوكه هو المسار السليم في التعامل مع أخطائه أو تقصيره، مما يعوّده على الصدق.

وقد نجني على أبنائنا بتبني الازدواجية من خلال تقديم القدوة الخاطئة لهم، فيرى أبناؤنا من سلوكياتنا ما لا يتوافق مع ما ندعوهم له من التزام بقيم ومعايير وأنظمة.