آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خريف العمر

كثيراً ما نسمع بهذا المصطلح، والذي يشير إلى الفترة الزمنية التي تعقب فترة الشباب، إنها بداية مرحلة الشيخوخة، وما يصاحبها من مظاهر الضعف، الضعف في كل شيء، إنه يعني التقدّم في السن، والدخول في مرحلة توقف العطاء والإنجاز - كما يعتقد البعض -. ويختلف الناس في تقدير بداية هذه المرحلة، فالبعض يقدّرها بسن الأربعين، والتي تشير إلى بداية التغيّر الجسمي، فالفرد يُنصح طبياً بأن لا يمارس الرياضات العنيفة أو التي تتطلّب تدفقاً كبيراً للدم نتيجة السرعة كالجري، وهذا ما يفرض عليه ممارسات رياضية أقل كالمشي.

ومن جهة أخرى تظهر بعض الأمراض في هذا السن وتبدأ في آثارها أكثر من ذي قبل، ولا يقتصر ذلك على المجهود البدني، بل يشمل الجهد الذهني والانفعالي والعاطفي، فذاك الشاب الذي يتميّز بالإبداع والإنجاز لم يعد كالماضي، وفي علاقاته الأسرية والاجتماعية يُلحظ عليه التغيّر من رحابة الصدر وإشاعة الجو العاطفي وتعابير الحب والحنان قد خفّت، وجهده الانفعالي لا يسعفه لتحمّل التوترات النفسية، ولا يساعده على القدرة في تحمّل الخلافات وإيجاد الحلول المقترحة لها كالسابق. والبعض اتخذ سن الخامسة والأربعين بداية لخريف العمر، وآخرون سن الخمسين أو الخامسة والخمسين أو الستين أو السبعين.

وما يهمّنا بحثه هو أن هذه التغيرات الجسمية والنفسية، هل هي حتم على الفرد، وعليه وعلى من حوله تقبّلها والتعايش معها، أم أنها فكرة خاطئة؟ ما لانختلف عليه هو وجود دورات حياتية للإنسان «طفولة - شباب - كهولة»، ولكل مرحلة عمرية صفاتها وخصائصها، والتي أشار لها علماء النفس والاجتماع والطب، ولكن ما نودّ الإشارة إليه هو حالة التكيّف مع السن، بما لا يفقدك ممارسة ما يكمل مسيرة العطاء والإنجاز عندك دونما تغيير، وذلك من خلال المحافظة على لياقتك البدنية، والتي تحافظ على جسمك من مهاجمة الأمراض له، فالوقاية والرياضة خير معين لك.

ومهم أيضاً ممارسة الاهتمامات والهوايات، فذلك له تأثير نفسي، بإبقاء حالة الثقة بالنفس، والتي تعني أنني ما زلت قادراً على العطاء، ومن جهة أخرى فإنها تحافظ على القدرات العقلية، فالبعض لا يعي هذه النقطة، وهي أن العقل ينشط من خلال ممارسة الجهد الذهني في التفكير والتحليل وتقديم المشورات والدخول في نقاشات وحوارات، تماماً كالناحية الجسمية، إذ الحفاظ على اللياقة البدنية يتطلّب ممارسة مستمرة، وإلا أدّى إلى الترهّل. في المحيط الأسري يحتاج الأبناء إلى خبرة الآباء وممارساتهم وتجاربهم ومشاهداتهم، كما أنهم يساعدون في توجيه الأبناء في تحصيلهم الدراسي والحياتي.

ويبقى مجال الإبداع والإنجاز لا يصل إلى حالة التوقف، وليكن شعار الجميع، «أنا أفكّر وأنجز فأنا موجود»، فيمكن للفرد أن يواصل مرحلة التعلم والممارسة العملية دون تأثر يُذكر بالتقدّم في السن، كما أشارت إلى ذلك دراسات واستبانات متعددة.

عامل الزمن وتقادمه يضيف للفرد خبرات وتجارب تنضجه في جميع جوانب حياته، ويمكن تقديمها على شكل مقالات وورش تعليمية وتدريبية تساعد طبقة الشباب على الاستفادة منها، وتختصر عليهم الوقت والجهد في كثير من الأحيان. ويمكن للفرد أن يتعايش مع الصعوبات المستجدّة والتي تحكم تقدّمه في العمر، عن طريق تقبّل هذا الواقع الجديد والتكيّف معه، فالهدف الأسمى يستحق التحمّل من أجل الوصول إليه.