آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام علي وليلة القدر

لقد ابتدأت حياة أمير المؤمنين في بيت الله الحرام، واختتمت حياته بأفضل وسام لحسن الخاتمة وهو الشهادة في بيت الله «مسجد الكوفة»، وما بينهما كان جلّ وقته عامراً بالعبادة، فلم يكن تغيّر الأحوال من ضر أو سراء، أو أوقات جهاد التبليغ أو وقت الجهاد في سوح الوغى ليصرف علياً عن ذكر الله، فكان مظهراً جلياً للعبودية الحقة.

تختم العناية الإلهية بأمير المؤمنين أن كانت شهادته مقترنة بليلة القدر، فالضربة من الغادر ابن ملجم كانت ليلة التاسعة عشر، وبقي جريحاً إلى ليلة الحادي والعشرين، فمن عرف شيئاً من فضل علي وسبر الأغوار في شخصية علي يكون قد عرف شيئاً من أسرار ليلة القدر، وسبب الاقتران بين شهادته وهذه الليلة المباركة.

لقد كانت حياة أمير المؤمنين عامرة بذكر الله، وحتى اللحظات الآخيرة من حياته وبعد أن أصيب بضربة ابن ملجم، وليلة القدر ارتباط واقتران بين قلب المؤمن وبين المحبوب، من خلال تلك الأدعية والمناجاة والتي يبث فيها إقراره بالتقصير، والتوجه إلى الله بأن تشمله رحمته الواسعة، وهذا الارتباط الدائم بذكر الله الوجه والسر الأول.

وفي ليلة القدر تنزّل القرآن الكريم، «إنا أنزلناه في ليلة القدر»، وأمير المؤمنين هو القرآن الناطق، فقد كانت قيمه وسلوكياته تجسيداً لمبادئ وتعاليم القرآن، وقد أشار النبي ﷺ لهذه العلاقة بقوله: علي مع القرآن، والقرآن مع علي»، وكثير يغفل عن سر تكرار النبي للعبارة مع التقديم والتأخير، فالأولى تعني أن منهج علي منبعه القرآن، والعبارة الثانية تعني أن فهم معاني ودلالات الآيات عند علي، فهم القرآن الناطق، فلا يمكن فهم القرآن بدون قراءة سيرة أهل البيت.

يقول أمير المؤمنين: واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الّذي لا يغشّ، والهادي الّذي لا يضلّ، والمحدّث الّذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى.

لقد التقى النوران في ليلة القدر، نور القرآن الكريم ونور أمير المؤمنين ’ التقى الثقلان اللذان لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله، وهكذا يكون تقدير أمور العبد مرتبطاً بمدى تمسّكه بالثقلين، بمدى تمسكه بالقرآن وتعاليمه، وتمثل القرآن في سلوكياته، فيقتدي برسول الله والذي كان خلقه القرآن، وبمدى تمسكه بنهج علي والذي هو نفس الرسول ﷺ.

وأختم بوجه ثالث وأكتفي به، وهو أن من مستحبات ليلة القدر تكرار سبعين مرة «اللهم العن قتلة أمير المؤمنين»، ومعلوم أن اللعن يعني الطرد من رحمة الله، والأشقياء الذين اشتركوا في قتله ورضوا بفعلهم وظلموه بنشر سبّه على المنابر، فجريمة قتل أمير المؤمنين اقترفها كل أؤلئك والحديث عن ذلك يكون في مورد غير هنا، وليلة القدر يُحرم من ثوابها الشقي «فالشقي من لم يغفر له»، وقاتل أمير المؤمنين أشقى الأشقياء.