آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ فوزي آل سيف: الخطباء مطالبون بذكر المصائب الحقيقية

جهينة الإخبارية حاوره: عبدالباري أحمد الدخيل
الشيخ فوزي آل سيف
الشيخ فوزي آل سيف

له تجربة في الكتابة امتدت لتحتوي أكثر من 30 مؤلفا، وتجربة خطابية منذ نعومة أظفاره، سيكون حوارنا اليوم مع الكاتب والخطيب الحسيني سماحة الشيخ فوزي بن محمد تقي بن علي آل سيف.

سماحة الشيخ ونحن نعيش أجواء عاشوراء الإمام الحسين حبذا لو تحدثتم لنا عن مشروع تنقيح السيرة الحسينية.

جرت العادة في المجتمعات الشيعية على قراءة السيرة الحسينية لا سيما أيام العشرة الأولى من محرم الحرام في كل عام، وحيث انها تتكرر كذلك، فإنها تتحول إلى جزء من الموروث الثقافي لأبناء المجتمع، وتؤثر في فكرهم وسلوكهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ولذا كان أمر تصحيح السيرة وتنقيحها، وعدم ذكر المستهجن أو غير المقبول في العقول ـ إلا مع التوضيح ـ فضلا عن غير الصحيح أمرا مهما.

لمن يحق تنقيح السيرة؟

ينبغي أخي العزيز أن يشار إلى قضية مهمة وهي أنه لا ينبغي أن يشكك في المسائل الثابتة بزعم أننا نقوم بتنقيح السيرة، أو أننا لا نحب هذه الجملة أو تلك الواقعة فنقوم بحذفها من السيرة فهذا عمل خاطئ، بل هو خيانة للتاريخ لو كانت الجملة ثابتة والنص صحيحا. وكذلك الحال عندما يستطرق من بعض الأمور التاريخية غير الثابتة إلى التشكيك في جملة السيرة وأحداثها، فإن ذلك أمر خطر.

لكن في التاريخ الصحيح وغير ذلك.

نعم ما كتب عن السيرة هو كسائر المصادر التاريخية فيه الصحيح وفيه غير ذلك ولكن بحمد الله لم يتطرق الخلل إلى أصل السيرة، ولا إلى أحداثها الأساسية التي تنفع في الإقتداء والتأسي.

ومع ذلك نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بها لكي لا نكون محل نقد من الآخرين.

نعم نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بالسيرة، وهذا الأمر لا لجهة أن الآخرين ينتقدوننا وإنما لجهة أن بقاء مثل هذه الشوائب يشوه الصورة الحقيقية لصاحب السيرة العظيم.

لكن البعض سماحة الشيخ يرى أن الشك في السيرة هو الأصل.

في الواقع ينبغي الالتفات إلى توجهين خاطئين: الإصرار على أن كل ما في السيرة المنقولة في الكتب ـ من غير تحقيق ـ هو شيء مقدس لا تطاله يد التحقيق والمناقشة.. وهذا خطأ لاسيما عندما نرى وجود قصص في بعض الكتب لا مصدر لها أصلا، أو أن مصدرها غير معتمد، ولكن يتم التركيز عليها مثلا من باب أنها مشجية أكثر، وأدعى لجلب الدمعة والحزن.

والتوجه الآخر: معاكس لهذا بالتمام، فهو يفترض أن الشك هو الأساس، وأن كل ما لا يقبله عقله، أو لم يصل إلى علمه، فهو غير صحيح يجب حذفه، ولو كانت أسانيده تامة. ولا يترتب عليه محذور، سوى مخالفته للمألوف أو للنهج الفكري الذي يعتمده ذلك الشخص.

إلا يوجد مبادرات حقيقية في هذا الموضوع؟

بالعكس يوجد.. فلقد بادر علماؤنا ومحدثونا مشكورين إلى ذكر هذه المسائل والتحذير منها في نصائحهم للخطباء وقراء التعزية الحسينية، فاعتبروا أن مما يعد كذبا ولا يجوز أخذ الأجرة عليه هو افتعال الروايات غير الصحيحة أو نقلها على نحو الجزم.

حتى لو قصد بها توصيف عظم مظلومية اهل البيت ؟

نعم قال العلماء ولو كانت تؤدي إلى غرض حسن وهو إشعار الناس بعظم مظلومية أهل البيت .

مَن مِن العلماء كتب في هذا الموضوع.

لقد كتب المحدث النوري رحمه الله كتابا في آداب خطباء المنبر باللغة الفارسية بإسم «لؤلؤ ومرجان» وضمنه الكثير من النصائح في لزوم التثبت في النقل.

ويذكر المحدث الشيخ عباس القمي عن كتاب «الاربعين الحسينية» للميرزا محمد بن محمد تقي القمي نصيحة بالغة وموعظة جامعة.. منها:

.. وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورعون عن اختراع وقائع مبكية وكثر اختراع الأقوال منهم واعتبروا أنفسهم يشملهم الحديث «من أبكى فله الجنة»، وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتى صار يظهر في مؤلفات جديدة، وإذا حاول محدث أمين مطلع منع هذه الأكاذيب، نسبوها إلى كتاب مطبوع أو كلام مسموع أو تمسكوا بقاعدة التسامح في أدلة السنن، وتوسلوا منقولات ضعيفة توجب اللوم والتوبيخ من الملل الأخرى، كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين أنه لا عين ولا أثر لهذه الوقائع عند أهل العلم والحديث كعرس القاسم في كربلاء الذي نقله في كتاب «روضة الشهداء» من تأليف الفاضل الكاشفي وقام الشيخ الطريحي وهو من أجلة العلماء والمعتمدين بنقله عنه ولكن في كتاب «المنتخب» أمورا كثيرة جرى التساهل والتسامح بها وهي لا تخفى على أهل البصيرة والاطلاع».

وما المشكلة في ذكر بعض القصص أو اختلاقها إذا كانت تبكي وتبين مقام أهل البيت ؟

لقد أشار غير واحد من الفقهاء والمحققين إلى لزوم التدقيق فيما يذكر في واقعة كربلاء، فهذا السيد الأمين رحمه الله يقول مبينا خطورة ما يلجأ إليه بعض الخطباء وكأنه يجيب على ما ذكرت: «... ولكن كثيرا من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها حتى حفظت على الألسن وأودعت في المجامع واشتهرت بين الناس ولا من رادع وهي من الأكاذيب التي تغضبهم وتفتح باب القدح للقادح فإنهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله ﷺ وقد قالوا لشيعتهم: كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا، وقد اكتسبوا ـ هم ومن قبلها منهم وأقرهم عليها ـ الإثم المبين، فإن الله لا يطاع من حيث يعصى ولا يتقبل الله إلا من المتقين، والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيما إن كان على النبي ﷺ وأهل بيته الطاهرين..»

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في نقد السيرة؟

بالطبع لا.. إذ ينبغي التفريق بين عدم الثبوت وعدم تعقله من قبل السامع وقد يغفل عن هذا التفريق كثير من الناس، فقد يكون شيء غير ثابت من الناحية التأريخية وهذا يختلف عن أنه لا يتقبله ذهن هذا الإنسان فقد يكون المستوى الذهني لهذا الشخص غير مؤهل لقبول بعض الحقائق ولكن لا يعني ذلك عدم تحققها وعدم وجودها تماما كما أننا نجد اليوم حقائق في حياتنا المعاصرة لو سمعها الأقدمون لم يقبلها عقلهم!!.

يقول البعض بأن التهويل والتضخيم للمصائب يقع في دائرة «حدثوا شيعتنا بأعظم ما وقع علينا» لبيان مظلوميتهم ومأساتهم؟

أولا: هذا كلام غير صحيح فإن فيما وقع عليهم مما صح نقله شيئا كثيرا يستغنى بمثله عن افتعال بعض القصص، أو زيادة الأقوال.. خصوصا أن هذا الأثر يقول «بأعظم ما وقع علينا» أي لا بد من إحراز «أو الاطمئنان بـ» كونه مما وقع عليهم، ثم ينتخب الأعظم منه، لا أعظم ما لم يقع عليهم.

ثانيا: البعض ينقل ما ذكرتَ باعتباره حديثا عن الائمة إلا أنني لم أجده ـ بهذا النص ـ في مصدر يعتمد عليه بالمقدار الذي وسعني البحث.

لكن بعض الناس يصعب ابكاؤهم.

لقد كان آية الله الشيخ الشوشتري رحمه الله يصعد المنبر ويصرح بأنه لا يحتاج المرء إلا إلى التأمل في بعض الروايات التاريخية الثابتة ويستنطقها ليرى عظم المصيبة التي حلت بأهل البيت ، فلماذا يأتي البعض بروايات غير صحيحة، أو يبالغون في قسم من القضايا؟ وهذا ما يظهر لكل قارئ لكتابه المواعظ أو الأيام الحسينية.

هلا تلخصون لنا قصدكم من تنقيح السيرة؟

ليس معنى التحقيق في الروايات التاريخية تجريدها من الجانب المأساوي أو حذف مواضع المصيبة وإنما يعني أن تذكر المصائب الحقيقية، وهي كثيرة جدا.