آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

التراكم والانفجار

نحتاج إلى ما يفسّر لنا ردود الفعل القوية والعنيفة بشكل فردي وجماعية تجاه موقف معيّن، لم يكن متوقعاً أن يكون الرد بهذا المستوى، فالقاعدة تقول: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه، وكذلك مواقفنا تجاه الآخرين لها ردود تناسبها، فالتعامل الحسن والبشاشة تنتج ردة فعل بمستوى عالٍ كالاحترام والتقدير، ومن أراد تهجّماً من الآخرين وازدراء واستنقاص له فليتعامل بتعال وتكبّر.

و ما نشير له هو ما هو خارج هذا النطاق من التساوي بين الفعل والرد عليه، أي الردود غير المتوقّعة والمفاجئة للجميع، فالأب الذي اعتاد على سكوت ابنه أمام توبيخه وعقابه المستمر، يعلن تمرّداً على أوامره، ويردّ بلغة غير مألوفة على الأب، ولا يقبل أن يرجع إلى المربع الأول - كما يُقال - في الخنوع والاستسلام أمام التوبيخ المهين من أبيه.

و المعلّم في مدرسته يمارس أسلوباً مستفزّاً لبعض طلبته، وأمام تهزيئه الدائم لهم لم يكن ردّ فعلهم أكثر من السكوت على حنق ومشاعر كراهية مكبوتة، وإذا به يُفاجأ بلغة مشابهة للغته غير المقبولة من أحد يواجهه بها أحد طلّابه، فما تفسير ذلك؟ وحتى على المستوى الاجتماعي فإن تجاهل بعض الطبقات الدائم، سيواجه النخب والوجهاء بردات فعل غير مسبوقة منهم، وكذا على مستوى الدول فالحرمان وكبت الحريات والفساد بكل ألوانه سيأتي بردات فعل قوية قد تذهل الجميع.

التفسير لذلك هو ما نسميه بالتراكم، فالموقف السلبي يترك أثراً سيئاً على نفسية الآخر، وخصوصاً إذا لم يتبعه اعتذار وتصحيح، فيُسجّل كنقطة في تلك العلاقة، ومع تكرار المواقف السلبية يرتفع منسوب الأخطاء إلى أن يصل إلى مستوى يكون فوق قدرة تحمّل الطرف أو الأطراف الأخرى، وهذا ما يوقع الكثير في وهم توقع ردة فعل الطرف الآخر الدائمة، وهي السكوت وتقبّل الإساءة على مضض، وأقصى ما سيظهر منه هو نظرات يعرف الجميع تفسيرها، ولكنها في المحصّلة لا أثر لها، فهي كضرب ظلّك بالعصا، لا يصيبك بأي ألم.

و لكل إنسان قدرة من التحمّل، ولاشك أن الفروق الفردية تحضر بقوة في هذا الأمر، ولكن تكرار المواقف السلبية يتناسب مع قدرة تحمّل الآخر، فكل موقف مسيء يسحب من المُساء له جزءاً من قدرته وتحمّله، إلى أن يُستنفذ المخزون الوجداني والضبط الفكري عنده، فتنتج ردّات فعل قوية، وهي ما نسمّيه بالانفجار، وهذا الرد العنيف لم يأت مع أول خطأ في حقه لأن إيقاع الردود المناسبة، وتجاهل الإساءة وعدم الرد عليها، لما يملكه من أدب وخلق رفيع، أو بسبب ضعف نفسي عنده، ولكنه وصل إلى حالة انعدام الاتزان النفسي والفكري.

حالة الاستبداد والطغيان النفسي الموجودة عند الآباء والأمهات ينتج عنها - كأحد الأسباب - ظواهر غير مقبولة، ويعاني منها المجتمع بشكل كبير، فردّة فعل الشاب أو الفتاة من معاناتهم مع أب لا يعرف من لغة الحوار إلا التوبيخ والتعنيف، وأم تعتبر ابنتها فاقدة لأهلية التفكير، فلا تعاملها إلا بنظام الأوامر ورد فعل يستوجب على ابنتها وهو التنفيذ دون نقاش، المؤكد أن انهيار سقف الاحترام والقدوة الحسنة لم يأت من فراغ، وأحد أسبابه الأخطاء المتكررة في حقّ أبنائهم، ودون العمل على مسحها من أذهانهم بالاعتذار أو التسامح معهم، إلا في الوقت المتأخّر، لحظات الخروج بانفجار نفسي لا يقبل معه البناء أي لغة هادئة للتفاهم.

يبغي التنبيه إلى أن الخطأ في حق الآخرين جرم في حقهم، والقوانين و- للأسف - يجرّم تسديد طعنة لآخر بآلة حادّة، ولا يجرّم ما هو أعظم منها وهو جرح اللسان بكلمات لها وقع وأثر سيء أكبر من جرح بسكين وغيرها، فأغلب الإساءات المتكررة لا تلتئم ولا دواء لها.

و لنلق نظرة تفحّص وتركيز على تلك الآثار التي تُصيب الأفراد الواقعين تحت الضغوط المتكررة، فهذا ينتج عنه صراعاً نفسياً بين الرد المناسب المختنق في جنبات نفسه وبين خنوعه، وحالة من الهروب الاجتماعي لئلا يتعرّض لإساءات مثلها، إذ أنه قد ضعفت ثقته بالآخرين، كما أنه يفتقد لحالة التركيز وهذا يجعله بعيداً عن اتخاذ المواقف المناسبة واللائقة، مع نظرة تشاؤمية للمستقبل المنظور والبعيد.