آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ما بعد شهر رمضان

قبل الحديث عن حال المؤمن بعد انقضاء الشهر الكريم، وما هي العملية التغييرية التي اكتسبها خلال دورة الصيام؟ لا بد لنا من مقدمة عن المكتسبات المتحصلة في هذا الشهر الكريم.

إن الله تعالى عندما افترض على عباده العبادة كان لذلك حكمة وغاية، لا بد للمؤمن اقتطاف والتحصل على تلك الثمرة، ونلاحظ تعليلاً لهذه العبادات، فالصلاة وهي عمود الدين، لها حكم وغايات، فالمؤمن عندما يقف بين يدي خالقه وقد خشع قلبه وخضعت جوارحه، يكون قد تعود الخضوع للأوامر الإلهية، وبذلك تتنشاء نفسه على ترك ما حرم الله، قال تعالى «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»

والصوم مدرسة تربوية فالامتناع عن الطعام والشراب وشهوة الفرج، لها مدخلية في عفة النفس وترفعها عن الرذائل، وتعويد الصائم على ترك المحرمات، ورد عن رسول الله ﷺ: الصائم في عبادة مالم يغتب مسلماً أو يؤذه؟ فالغيبة ليست من مفطرات الصوم فقهياً، ولكنه من جوارح الصيام وموانع قبوله، إذ الغاية من الصوم تحصيل ملكة التقوى وهي الورع عما حرم الله، وبعد انتهاء الشهر الكريم لا بد من ملاحظة هذه المكتسبات.

1 - ملكة التقوى، وهي غاية الصوم، قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» «البقرة الآية183» فإن النفس تتنازعها الشهوات والرغبة في ارتكاب المخالفات، وقد أيده الله بالصوم الذي يقوي إرادته أمام ارتكاب الذنوب، كما أن نفسه تتوق لشرب الماء أو تناول الطعام في نهار الصوم، ولكنه يمتنع عن ذلك امتثالاً لأمر الله، وكذلك فليكن تعامله مع بقية الشهوات.

2 - ومنها: العطف على الفقراء والمساكين، إذ أن الشعور بالجوع يجعله متذكراً للإحساس الفقراء في كل الأوقات، وهذا ما يجعله راحماً للمساكين، وذلك أن الرحمة في الإنسان تنشأ عن الألم، والصوم طريقة عملية لتربية النفس على هذا المبدأ، ومتى تحققت هذه الرحمة في قلوب المؤمنين على الفقير الذي لا يجد قوته، كان للمجتمع توازنه ورشده.

3 - ومن تلك المكتسبات هو مراقبة الله تعالى، وهي تعني أن المؤمن يستشعر وجود الله معه في كل مكان، وذلك أنه في نهار الصوم يتوقف عن المفطرات في السر والعلن لعلمه أن الله يراه ويعلم بأحواله، قال تعالى «لله ما في السموات وما في الأرض إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير» «البقرة الآية284»

فالصوم ينمي الضمير، كما يرسخ في العبد منهج المراقبة لله، وذلك وحده منطلق طل صلاح في ميدان الأخلاق والسلوك، ذلك أن مراقبة الضمير الحي تمنع المؤمن من الوقوع في المعصية، وإذا رجعنا إلى الآية «183» من سورة البقرة التي ختمت نداء الصوم بقوله «لعلكم تتقون»، لوجدنا أن الصوم يربي في المؤمن مراقبة الله عز وجل وخشيته، فلا يمتنع عن شهواته ويقاومها إلا لأنه يراقب ربه ويخشاه، وهو يمكنه أن يأكل ويشرب حيث لا يراه أحد، ولكنه يعلم أن الله عز وجل يراه فيذعن لأمره، ويكف من أجله عن سيئاته، فالصوم يظهر فيه أثر شدة وقوة مراقبة الله عز وجل لدى العبد، الذي يعلم أن الله لا تخفى عليه خافية.

4 - ومن مكتسبات الصوم صفاء النفس، حيث أن للصوم أثراً واضحاً في تنقية الروح من كل الشوائب، وتصفيته لها من كل الأدران، وإعانته لها على العوائق، فالصوم من أعظم البواعث على إيقاظ الروح وتنقيتها من الشوائب، ذلك أن امتلاء المعدة بالطعام وانبعاث النفس مع الشهوة يوبق الروح ويغمس أنوارها ويحجب أشواقها، ويجعلها معتمة ظلماء لا تشرق فيها المعاني السامية.

إن الصوم تطهير للنفس ورحمة، يتطهر الصائم بصيامه حسياً ومعنوياً، لأن في جوع الجسم صفاء القلب وإذكاء لقريحة الإنسان، فالشبع يورث البلادة وعمى القلب. والصوم يكسب المؤمن التعالي على الرغبات، فالصوم مدرسة لتربية الإرادة الصلبة وقوة النفس وتساميها على أوهامها وأهوائها، ومن ثم فإن الصائم لا يصاب بمرض نفسي كما يقول علماء النفس، لأن النفس التي تصرعها وتضعضعها الرغبات هي الطريق للإصابة بمرض نفسي، وأما الذي يتحكم في نفسه فإنه لا يصاب بداء نفسي. ومن مكتسبات الصوم هو روح الالتزام بأداء الفرائض في أوقاتها، فهو يمتنع عن المفطرات فجراً، ويبدأ في تناول الإفطار في وقت المغرب، ومن أهم مبادئ الصلاة هو أداؤها في أول وقتها، وأن لا يشتغل بأي شيء يلهيه عن الصلاة.

5 - ومن مكتسبات شهر الصيام هو الحرص على تلاوة القرآن الكريم، فهو ربيع شهر رمضان، وقد عاش المؤمن خلاله مع كتاب الله وأحكامه وآدابه، قال تعالى «إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور» «فاطر الآية29» فينبغي أن يبقى المؤمن بعد شهر رمضان في أجواء القرآن، ويعمل على تدبر آياته والاستفادة من حكمه وهذا معنى أن يكون القرآن دستوراً للمسلم.

6 - ومن المكتسبات الأجواء الإيمانية التي عاشها المؤمن في هذا الشهر الكريم، من خلال برنامج الدعاء والمناجاة وخصوصاً في وقت السحر، قال تعالى في وصف المؤمنين، «كانوا قليلاً من الليل يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون» «الذاريات الآية17 - 18» وهذه الأجواء من رحمة الله والتي تكسب العبد الطمأنينة وتطهير قلبه من آثار الأمراض.

7 - ومن هذه المكتسبات الصبر على الطاعة، فبرنامج الصيام برنامج زاخر بمختلف الطاعات من صلوات نوافل وأدعية وتلاوة قرآن، وقد تدرب المؤمن على القيام بهذه الطاعات لمدة شهر كامل، وهذا ما يجعله مهيئاً للقيام بالطاعات والصبر عليها، وذلك لما فيها من تحمل للمشقة في الحفاظ عليها والمداومة على إتيانها، كما يكتسب المؤمن الصبر على المعصية، حيث كان في شهر الصيام مراقباً لنفسه في الامتناع عن شهوتي البطن والفرج وبقية المفطرات، وهكذا يخرج من الشهر وهو متسلح بسلاح الإرادة والقدرة على الامتناع من الشهوات.

8 - ومن تلك المكتسبات هو تعلية النفس على مسارب الشيطان، فالصائم يكف نفسه عن شهواتها، ويخرج العبد من عالم البهيمية القائم على تلبية الشهوات، إلى عالم الامتثال للأوامر الإلهية والتي تدخله إلى عالم النورانية، فإن النفس إذا خليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كفت شهواتها لله ضيقت مجاري الشيطان، وصارت تحظى بالقرب الإلهي، وذلك لتركها لشهواتها إيثاراً لمرضاة الله وطلباً لحبه.

ومن رحمة الله بعباده في شهر الصيام هو تصفيد الشيطان، وانحباس الشهوات التي هي سبل الشيطان وطرائقه، وبذلك أعان الله عباده مما يحجبهم عن تحصيل ملكة التقوى، ويحول بين العبد وبين القرب من الله بترك ما يسخط خالقه، إن تصفيد الشياطين فرصة للعبد ليستأنف سيره التكاملي، وينطلق بعد شهر رمضان، وقد أبصر سبل الشيطان ووساوسه، وعلم مصائده ومكائده، وهذه من علامات تحقيق النصر لجنود الرحمن على جنود الشيطان.

شهر رمضان محطة ليجدد العبد عهده بالله، من خلال الرصيد الروحي والأخلاقي الذي يستمده، ليشكل نواة لمواصلة سيره بعد هذا الشهر الكريم، ومن سوء حال العبد أن يخرج من هذه المحطة الإيمانية دون أن يكتسب شيئاً أو يغيّر من حاله، فقد مرّ بمرحلة قوامها شهر لتهذيب غرائزه، فالإسلام لا يمنع العبد من إشباع غرائزه ولا يصيبه بحالة الكبت، وإنما يعمل على ضبطها بحيث لا ينزلق الإنسان إلى عالم البهيمية، أي تكون حياته ومسيرته تابعة للشهوات وإذا استطاع الإنسان أن ينظم غرائزه فإنه يكون قد سلك طريق النجاة والهداية.

9 - ومن تلك المكتسبات هي تهذيب الجوارح وأهمها اللسان، فإن المؤمن في هذا الشهر الكريم كان يحافظ على لسانه من جرح صيامه، فكيف عن التعرض للآخرين بشتم أو غيبة، وإذا واجهه أحد بإساءة، توقف عن ردها وقال: اللهم إني صائم.

من ينقضي شهر الله بعد أن كان برنامجه حافلاً بالطاعات، وبعد انتهائه يعود لما كان عليه، فهذا مدعو لمراجعة نفسه، ومعرفة كيفية الحفاظ على مكتسباته، وهذا يحتاج من الإنسان عزماً وإرادة على مداومة العمل، فقد عايش شهر الصيام وقد اصطبغت نفسه بأخلاقيات رفيعة، وحلقت روحه في عالم الإيمانيات، وإذا لم يحافظ على برنامج عبادي بعد الشهر الكريم، فإنه سيفقد تلك الحلل ويعود كما كان.

إذاً يحتاج إلى تخطيط لما بعد شهر رمضان لما يحافظ به على مكتسباته، وما يقع في كل مرة للبعض من عزم للتغيير، وتخطيط لمستقبل إيماني وبرنامج عبادي، فإنه يضيع بدون تنفيذ ويبقى أمنيات حبيسة ذهنه، والسبب في ذلك هو الإصابة بالملل، حيث يبدأ مع العمل شعور بالتكاسل والتسويف لأي عمل بتأخير تنفيذه، وهكذا حتى يعود حاله كما كان.

من علامات قبول الصيام في الشهر الكريم هو تغير حال العبد عما كان عليه من قبل، فإذا وجد حلاوة العبادة والطاعة في شهر رمضان، فإنه ينطلق من هذه البداية للمواظبة على العبادات، مستئنساً بذكر الله، مستوحشاً من المعاصي والذنوب.

وهنا لا بد من التذكير بمجموعة المبادئ التي ينبغي المحافظة عليها، حتى تبقى مفاعيل وآثار الصبغة الإيمانية والأخلاقية في شهر رمضان:

أولاً: محاسبة النفس، فهذا المبدأ هو صمام الأمان بالنسبة للإنسان من العودة إلى حالة الغفلة والانغماس في الرذائل، وخصوصاً أن أيادي شياطين الإنس والجن قد فكت قيودها، وما يجنب المؤمن الأعداء الثلاثة [الشيطان - الهوى - النفس الأمارة بالسوء] هو المحاسبة، فإذا غفل وارتكب ذنباً توقف عنده، وتجنب العوامل المؤدية لارتكابه والعزم على تركه مستقبلاً، وإن ظلله توفيق إلهي بأداء عمل صالح، شكر الله على هذه النعمة، وعزم على المداومة والاستمرار.

وثانياً: مبدأ التوبة، إن الشيطان الرجيم يبدأ خطواته بوسوسة في قلب الإنسان لارتكاب الذنب وهذه أولى الخطوات، ويستمر بالعبد إلى خطوة أخرى وهي المداومة على فعل الخطية وتكرارها حتى يظلم القلب، ولا يقطع هذه الخطوات إلا التوبة، الرجوع إلى الله، إدراك أن هذه المعاصي تهدم البناء الروحي. وما يرفع من وتيرة الإحساس - أي الألم والحسرة على التفريط - هو تذكر الرحيل الذي لا يعلم العبد موعده، «ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون» «المنافقون الآية 11»

ثالثاً: مجالس الذكر والتلاوة، مما يجعل الإنسان يحافظ على مكتسبات الشهر الكريم، هو إقامة مجالس تلاوة القرآن الكريم، والتي تحيي القلوب، ويعيش معها المؤمن تنوير قلبه وجلاء الصدأ عنه، وما أجمل تلك الحلقات القرآنية التي تعقد في البيوت من قبل الوالدين مع أبنائهم، وكذلك عقد مثل هذه الحلقات في المساجد والحسينيات. ومن المكتسبات في الشهر الكريم هي حضور المجالس الحسينية، والتي يعبر فيها العبد عن عميق ولائه لأهل بيت العصمة والامتثال لإحياء أمرهم، والجهة الثانية هي تلك المعارف التي يحصل عليها سواء في الجهة الفقهية أو العقائدية أو الأخلاقية أو سيرة المعصومين أو المعارف الاجتماعية، من هذه المجالس المباركة، وعلى المؤمن أن يحافظ على حضور مجلس أسبوعي طوال السنة.

ومن المكتسبات في هذا الشهر الكريم هي ذكر الله عز وجل، فالأذكار الكثيرة التي كان يرددها المؤمن في هذا الشهر هي الطريق للذكر القلبي لكي لا يصاب بالغفلة والقسوة، فلا بد من المحافظة عليها بعد شهر رمضان.

قال تعالى «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمر فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون* اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون» «الحديد الآية 16 - 17»

وتمثل الآية الأخرى لحياة بذكر الله، فكما تحيا الأرض القاحلة المجذبة بالمطر، كذلك يحي الله القلوب القاسية بالحكمة ونور القرآن، قد وضحنا لكم الأمثلة والمواعظ كي تعقلوا ما فيها، وتتدبروا كتاب الله.