آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

كشف الأخطاء

حقيقة لا مراء فيها وهي أن صدور الخطأ لا يعني سقوطاً مريعاً في خانة العجز والضعف، كما أن التعامي والتجاهل لوجودها كسلوك صادر منّا يعني استمراراً في طريق التهاوي الأخلاقي وانتكاسة في علاقاتنا بالآخرين، فلا يمكننا أن نبني قوة في شخصيتنا ومتانة وجاذبية تصدر من الآخرين تجاهنا ونحن بأخطائنا المتكررة نقطع حبال الود والاحترام.

المكابرة والالتواء وإيجاد الأعذار غير المبرّرة واللا مقبولة في عرف وقيم العقلاء والمجتمع لأي خطأ نرتكبه يدخلنا في متاهات أكثر، ويكسبنا صبغة سلبية أخرى في سلوكياتنا، كل ذلك في سبيل عدم الحكم علينا بأننا أقل من غيرنا شأناً بسبب بروز أخطاء لا تجعل الآخرين يثقون فينا، مع أن الطريق المختصر والمفيد هو تصحيحها ومعرفة مسبباتها لتلافيها مستقبلاً، مما يكسبنا نقاطاً إيجابية عند الجميع، فالخطأ بعد تصحيحه يصبح معدوماً وممحوّاً.

و يتجه البعض إلى إيجاد شماعة ليعلّق عليها أخطاءه؛ لئلا يُصوّب باتجاهه مدافع النقد والتوجيه، فالوضع النفسي السيء الذي يخيّم بظلاله عليه بسبب عمله أو الأساليب الاستفزازية من البعض أو النظرة الحاقدة من آخر وغيرها تبرز كموتّرات له وتخرجه عن إطاره الجميل الذي يرسمه لنفسه بصورة محببة عند الآخرين، وهذا المسلسل لا ينتهي ولا يقف عند حدّ معيّن.

البداية الصحيحة في التعامل مع أخطائنا تكون من معرفة مكامن الخلل عندنا ومسبباتها، وذلك لتلافي الوقوع فيها مجدداً، فمن لم يعرف نفسه لا يمكنه أن يعرف أشياء أخرى، فالحياة ميدان للمجاهدة والمثابرة للحصول على المُبتغى وتحقيق الأمنيات، وهذا السعي الحثيث يعيقه الأخطاء المتكررة، والتخفّف منها بإصلاحها يضمن لنا انطلاقة سريعة نحو الأهداف المرجوة.

و ليس من نافلة القول أن ندّعي أن أخطاءنا ترسم لنا معالم مهمة من طريق النجاح والإنجاز، فهل وقفت يوماً وقفة متأمّل ومتفحّص أمام خطأ ارتكبته، واكتشفت موطن الضعف فيك والذي أدّى إلى هذا المشكل؟ وهل تبصّرت بطرق التصحيح والتغيير الإيجابي لها؟ يمكننا أن نجعل أخطاءنا كالكتاب المفتوح الذي نتعلّم منه درساً مع كل صفحة نقرؤها، فالنجاح والتميّز والإبداع تظهر قدراتك ومهاراتك، وأخطاؤنا تبرز موارد الخلل لإصلاحها، وبذلك تتكامل منظومة العمل المتقن.

و كما أن الأمراض كانت ولازالت مضماراً يستحثّ الهمم والعقول لاستكشاف مسبباتها وإيجاد الدواء المناسب لها، فأخطاؤنا - تماماً - بالسعي والمثابرة يمكن أن تشكّل لنا زاداً من الخبرات المتنوّعة، وتنضيجاً لمدركاتنا العقلية، من خلال البحث عن أسباب الخطأ وطرق تفاديه، وسبيلاً للوصول إلى صحة نفسية مبنية على أساس صحيح ومتين، فالخطأ يسبب اضظراباً وقلقاً من آثاره ونتائجه المتوقّعة وغير المرجوّة، وحالة الحيرة والذهول من مفاعيله ونظرة الآخرين لنا المستجدّة، ويمكننا أن نتخلّص من كل ذلك باستردادنا لثقتنا بأنفسنا بالتخلّي عنه مجدداً.

الأخطاء جهاز إنذار لنا بأن طريقنا وصل إلى مكان مسدود وعلينا أن نغيّر اتجاهنا، ومن لم ينتفع من أخطائه كمحذّر وموجه لنا بالتخلّي عن هذا الفعل أو التفكير المعيّن، وكلما كان حسّ التعرّف على الأخطاء قوياً أمكننا ذلك من تفاديه أو معالجة آثاره إن وقعنا فيه.