آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صخب الحياة وتعقيداتها

ما يميّز الأحداث والأشخاص من حولنا اليوم هو تلك الحالة من العصف والتوتر، فلا أحد يتحمّل وجود الآخرين من حوله أو أخطاءهم أو اختلافه معهم في الأفكار أو سير عمل أو ترتيب معين في علاقاته مع أصدقائه، لقد أصبح الكثير منّا يشكو حالة التهيّج والعصبية والانفعال الشديد في حياتنا الأسرية والاجتماعية، فتوتر هذه العلاقات أو انقطاعها أضحى لا يحتاج إلى سبب قوي يبررها، بل يكفي أن يكون هناك خلاف بسيط أو مزاجية سيئة في ذلك اليوم ولتقلب الأوضاع وتصيب العلاقات بالتهرّي والتفسّخ، ترى ما السبب في وصولنا إلى هذه الحالة الصعبة والمعقّدة، والتي لا يطيق معها الفرد نفسه فضلاً عن الآخرين.

و لا يمكننا أن نسرد مطوّلاً المشاكل الناجمة من هذه الحالة من التفلّتات النفسية والانفعالات الشديدة، فأضحينا ضحايا لها وأصبحت سبباً قوياً لكثير من آثارها، فما الذي جعل علاقات الأقارب تنقطع لخلاف بسيط، لا يعدو في بعض الأحيان عن مشاجرة بين طفليهما؛ ليتخذا قراراً حاسماً لا رجعة فيه عن القطيعة، والعلاقات الزوجية تتعرّض لهزّات تطيح بعلاقات قوية استمرّت لسنوات، فأصبح كل واحد لا يتحمّل وجود شريك حياته بسبب خلاف قد يستحي أحدهما من ذكره، وفي كثير من الأحيان يخفى السبب لدخولهما في مشاحنات أخرجت كل حب وألفة دامت بينهما، وأصدقاء كان الجميع لا يرونهما إلا مع بعضهما، يضمر اليوم كل واحد للآخر عداوة لا تسعها أرحب الفضاءات، بل وأصبح راسخاً في الأذهان أن العلاقات مع الآخرين لا تعني إلا سلباً للهدوء، ودوامة من المشاكل لا مخرج منها، والابتعاد عن الناس نعمة لا ينبغي التفريط فيها.

لاشك أن هناك عوامل سلبت الهدوء من حياتنا، ولا يمكننا أن نهنأ بحياة مستقرّة بدون أن نعمل على تجنّب هذه العوامل، فلا يوجد أدنى شك بأن الجميع يميل إلى الهدوء والاستقرار في حياته الأسرية والمهنية، والفارق هو وجود الهمّة وقوة الإرادة على تجنّب ما يعكّر صفو حياته، فبقليل من التأنّي والتحمّل يمكننا تجنّب الكثير من الضغوط والإنهاك النفسي بسبب مواقف لا تستحقّ ذلك، أو أنها لا تُعالج بالطريقة الانفعالية أو المتسرّعة التي نتّبعها في كثير من الأحيان.

أولى الخطوات تبدأ من إعلاء قيمة الهدوء والاستقرار، فليس كل موقف يأخذنا بعيداً نحو الاستفزاز أو الغضب، فعيونا نسلّطها على البعد عن الأجواء العاصفة، وإذا وقعت لنا مشكلة أو صادفتنا عقبة معينة، فإن نصف الحل يكمن في الهدوء وعدم جلد الذات أو صبّ جام الغضب على الظروف أو الأشخاص، فالهدوء ممرّ آمن يوصلنا إلى الطريقة الصحيحة في التعامل مع المشكلة أو الأزمة، فالانفعال الشديد يعقّد الأمور أكثر، فيحرفنا عن التفكير السليم في المشكلة أولاً، ويولّد لدينا كماً كبيراً من النفرزة والعصبية تعمل على إنهاك مجهودنا وطاقتنا، وثالثاً: لابدّ أن نقع في خطأ توجيه الكلمات القاسية أو الجارحة لمن حولنا، حيث أننا في تلك الحالة نفقد توازننا الانفعالي.

و نواصل مسيرنا في إيجاد الحلول بالبحث عن العوامل المؤثرة والحقيقية والتي أدّت إلى هذا الخطأ، ومن ثم نبدأ في إيجاد الحلول الممكنة، والعمل على تلافي الوقوع في الخطأ مجدداً، وبذلك نكون في قمة عطائنا في جميع الأحوال.

إذ أن الكثير منّا يأخذ جميع من حوله إلى التأزّم والانفعال إذا وقع في مشكلة، فعواطفه تختفي، وصحته النفسية تعتل، وتبدو عليه علامات الكآبة أو الغضب، ويبدو كالبركان المتأهّب، فما إن يُسأل عما يقلقه أو يغضبه، حتى ينفجر ويرمي بحممه البركانية في جميع الاتجاهات، وتأخذه انفعالاته بعيداً عن واقعه، بل قد يظهر بصورة مغايرة مما يعرفه الجميع ويبدو كشخص آخر لا يعرفونه.