آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأفق المسدود

كثيراً ما نسمع أو نقرأ هذا المصطلح، والذي ما انفكّ عن الارتباط بالجانب السياسي، إذ يُشار إليه في المفاوضات التي تتم بين الدول أو الدول والجهات المعارضة فيها، وذلك كتعبير عن عدم الوصول إلى حل يقطع النزاع بين الطرفين، وما سنشير إليه هو تطبيق هذا المصطلح في جانبين، وهما: الجانب الثقافي، والجانب الأسري والاجتماعي.

هذا المصطلح بتبسيط شديد يشير إلى وجود نقطة أو نقاط خلاف لمّا يصل الأطراف المتنازعة إلى حل لها، وبالتالي الانتهاء بعد مشاورات وحوارات إلى المربع الأول في الخلاف، وعدم الاتفاق على شيء، وبالتالي يرجع كل طرف إلى قناعته السابقة دونما تغيير.

وهناك نقطة مهمة نذكرها قبل الخوض في تطبيقات المصطلح، وهو أن الإشارة إلى أي حوار عقيم، أي بدون نتائج تذكر غير ارتفاع الأصوات والتصلب للآراء أكثر من ذي قبل، في كثير من الأحيان يكون توصيفاً خاطئاً، وذلك أن أي حوار ندخل في غماره هناك شرائط لإنجاحه، وبدونها لا يمكننا أن نصف الحوار أنه بدون نتائج، إذ إنضاج الفكرة المشتركة والرأي المقبول عند الفرقاء يحتاج إلى ظروف معينة ينبغي مراعاتها، فلا يمكننا أن نقول لأحدهم أن يدخل نقاش وتفاوض على أمر ما وهو في حالة تشنّج وانفعال شديد، أو ندخل في حوار في وقت غير مناسب لأي طرف، أو نفتقد لوسيط نزيه وعاقل وقادر على إنجاح مثل هذه الحوارات الموصوفة بالمتعبة والشاقّة، أو نبدأ بحوار بدون مراعاة آداب الحوار واحترام الرأي الآخر دون تجريح لصاحبه.

التطبيق الأول في الجانب الثقافي: هناك كثير من الموضوعات التي يمكن تبادل الآراء فيها، فبغض النظر عن قناعتك الفكرية في أمر ما، والتي تشكّلت من خلال تركيب مجموعة من المقدّمات، فأوصلتك إلى النتيجة أو الفكرة المعينة، ولكن ينبغي أن لا يغيب عن الأذهان أن النتيجة فرع على المقدمات، وبالتالي قد تكون المقدمات خاطئة، أو فهمك لهذا الأمر أو المفهوم لم يكن بالشكل الصحيح، وبالتالي ستكون النتيجة غير صحيحة. ولا نغفل تأثير البيئة المحيطة بالإنسان في تكوين فكره وآرائه، فعندما تحكم على فكرته بالخطأ، فأنت وقعت في خطأ آخر، إذ هو لم يفكّر أصلاً حتى تحكم على رأيه بالصواب أو الخطأ، إنما هو متأثر بكلام أسرته أو أصدقائه، فلا هو قد أخضع رأيك ولا الرأي الذي يطرحه للموازين العقلية، وهذا ما يجعل على عاتقك عبأً آخر، وهو إخراج الطرف الآخر من رحم التقليد.

ونأتي لتطبيق مصطلح الأفق المسدود هنا، والذي يعني أنّ الطرفين قد تناقشا وتحاورا بكل أريحية، وخاضا غمار التحليل المنطقي، ولكن النتيجة عدم التوصّل إلى قناعة مشتركة أو تغيير إحدى القناعتين، فهل يمكننا أن نطلق هذا المصطلح على هذه الحالة؟ الجواب: نعم فمعنى بقاء كل طرف على قناعته وفكرته دونما تغيير، وعدم تقبّل فكرة الآخر هذا ترجمة حرفية لمصطلح انسداد الأفق عن الوصول إلى قناعة مشتركة.

ولكن هناك أمر مهم وهو عدم حصول القناعة المشتركة، هل يعني إعلان حالة التخاصم والنفور والعداء والتسخيف من آراء الآخرين؟ هل يعني أن تستصغر وتحقّر شخصية الآخر، بل وتسمه بالجهل والانغلاق وقلة الفهم؟ هناك ما نسمّيه بأدب الاختلاف، والذي يعني أنّ لي قناعة مخالفة لقناعتك، ولكنّي أحترم قناعتك وآراءك، وغير مستعدّ لتوجيه أي إساءة لك.

وعلى الصعيد الأسري في علاقة الزوجين، تحدث من الخلافات التي يصل فيها الطرفان إلى أفق مسدود!!!، ولا حلّ لخلافهما إلا الطلاق، إذ هو الطريق للتخلّص من التوترات والضغوطات النفسية التي عانى منها الزوجان.

ولا ننكر أن الطلاق مسير حلّ في بعض الصور، ولكن من غير الصحيح أن نجعله طريقاً لكل من أراد التخلي عن المسئولية، ويحمل بين جنبيه نفساً أنانية أو لا تحمل روح الاعتذار أو التسامح، فكثير من قضايا الخلافات الزوجية أسبابها بسيطة، ويمكن حلّها بحوار هاديء وبعيد عن أجواء التشنّج والانفعال، أو دخول وسيط نزيه وخبير بإصلاح ذات البين. ما أردت الإشارة إليه أننا في كثير من الأحيان نضع شماعة لأخطائنا وعدم تحمّلنا المسئولية، فنقول أن هذه العلاقة طريقها مسدود، دون محاولة تدوير الزوايا، وإيجاد نقاط مشتركة.