آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حب الذات

عندما نتحدث عن لغة الحب فنحن لا نتكلم عن أمر اقتصر الشعور به على الإنسان، بل هي لغة مشاعر مشتركة مع مخلوقات كثيرة تبرز هذه المشاعر، فالشعور بالأبوة والأمومة والبنوة نشاهدها عند الطيور والحيوانات.

وفي حياة الإنسان تجد هذه المشاعر بارزة في علاقته ببعض الأشخاص الذين يرتاح لهم، ويتناغم في معيشته معهم، وهناك أناس تظهر النفرة والكراهية لهم في حياته، وبغض النظر عن أساس هذا الحب والنظريات في تفسيره، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر وجود هذا الإحساس عند الإنسان.

وأبرز مصاديق الحب هي حب الإنسان للآخرين من أبناء جلدته، إذ تربطه بمجموعة من الناس مشاعر الأنس والارتياح والانسجام معهم.

ولكن هناك نوع آخر من أنواع الحب، وهو حب الإنسان لنفسه، فماذا يعني هذا الشعور؟ يرتبط في ذهن كثير من الناس، أن مفهوم حب الذات يعني الأنانية والإعجاب الزائد بالنفس، مما يجعل من الصفات المذمومة والسلوكيات غير المرغوب فيها.

ولابد أن نوضّح أن مفهوم حب الذات تارة يكون إيجابياً أو سلبياً، فالسلبي هو حب الذات بمعنى تقديم مصلحته وتطلعاته ولو كانت على حساب الآخرين، فلا يهمه في سبيل تحقيق أي هدف يريده أن يسبب ذلك ألماً أو خسارة للآخرين، ولا يهتم لشعور الآخرين وما يسببه لهم من حرج أو حزن جزاء تصرفاته أو كلامه.

أما المفهوم الحب الذات الإيجابي - والذي نحن بصدده - فهو تقدير للذات وثقة بقدراته، فهناك من لا يولي أهمية لنفسه، ولا يعرف ما هي النقاط الإيجابية في شخصيته، وسر نجاحه في حياته العملية والأسرية أو فشله، لا يعرف ما هو سر محبوبيته من الآخرين أو تجنب إقامة علاقات إيجابية معه.

حب الذات الإيجابي يعني أن يحترم الفرد الاستعدادات والقدرات التي يمتلكها، والتي من خلالها يستطيع أن ينمي شخصيته، وتكون أدوات لتحقيق أهدافه.

ولا يوجد تعارض بين حب الفرد لذاته وبين حبه للآخرين، فحبه لذاته تقدير واحترام لقدراته، وحبه للآخرين يعني إقامة نسيج علاقات اجتماعية ناجحة، بل نقول أكثر من ذلك، وهو أن الفرد لا يمكنه أن ينجح في حب الآخر إلا إذا كان محباً لنفسه من قبل، إذ لا يُعقل أن تكون العلاقة الاجتماعية إيجابية إلا إذا كان الفرد واثقاً من نفسه.

ومبعث احترام الآخرين لشخصيتك هو ما تمتلكه من قدرات وسلوكيات محببة، تجذب الآخرين نحوك، وتعطيك قيمة التقدير، وهذا ما يجعل علاقاتك الاجتماعية ناجحة ومفيدة، وتشعر بالسعادة لتقدير الآخرين لذاتك.

ويقال: من أحب نفسه فإنه يستطيع أن يحب الآخرين، والسبب في ذلك هو أن قوام العلاقة مع الآخر هو الاحترام والتقدير والحب لهم، وهذا لا يتأتى إلا من فرد قد عرف قدراته، واقتنع بما يحمله من مؤهلات تساعده على إنجاح علاقاته، ويتعرف على الصفات السلبية فيه والتي تعيق إقامة العلاقة الاجتماعية بأكمل أوجهها.

ولا يمكن للفرد أن يثق بنفسه ويحصل على الاطمئنان في أداء أي سلوك إلا إذا كان يحب نفسه، فحبه لنفسه يعني تقديراً لآرائه وأفكاره، تعني استعداداً للحوار مع الآخرين والنقاش معهم بثقة، تعني حباً للآخرين وإن اختلف معهم في فكرة ما؛ لأنه يعتقد أن أي رأي هو نتيجة للمقدمات التي رتبها ومن خلالها وصل إلى النتيجة، وهذا لا يعني ضعفاً في تفكيره أو تفكير الآخرين.