آخر تحديث: 14 / 11 / 2018م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدمية بوبو

محمد معتوق الحسين *

ذات يوم، اتصل بي أحد الأصدقاء واشتكى من ولده الذي لا يحب أن يقرأ أبداً. ذكر كيف أنه اشترى له العديد من الكتب، وحاول معه بشتى الوسائل ليحببه بالقراءة، ولكن دون جدوى. الولد مشغول باللعب، والكتب يزداد عليها الغبار سُمكاً. قدمت له بعض الاقتراحات، فقال أنه جرّبها كلها بدون فائدة. وقبل أن أعتذر منه لعجزي عن إفادته، سألته إن كان هو من القرّاء. قال مُحرجاً ”بصراحة أنا لا أقرأ مُطلقاً.“ فأجبته بلطف ”مساء الخير!“

ما حدَّثَت به الدُّمى

ذكّرتني محادثة صاحبي تلك بتجربة مثيرة أُجراها عالِم اسمه «ألبرت بيندورا» في ستينيات القرن الماضي، وكان لها وقع كبير في علم النفس. في التجربة، يوضع طفل عمره أربع سنوات تقريباً مع شخص بالغ «يعمل مع فريق الباحثين»، ودمية منفوخة على شكل مهرج اسمه «بوبو». فكرة التجربة هي أن يراقِب الطفل كيف يعامِل الشخصُ البالغ الدميةَ، ثم يُترَك الطفل مع الدمية لوحديهما ليُراقب الباحثون تعامله معها.

الأطفال الذين شاهدوا الشخص البالغ يعامل الدمية «بوبو» بعنف، قاموا بدورهم بضرب الدمية وشتمها بقسوة بعد أن تُركوا لوحدهم معها. أما الأطفال الذين شاهدوا الشخص البالغ يعامل الدميةَ بلطف، قاموا هم الآخرين بالتودد ل «بوبو» واللعب معه بلطف.

كيف يتعلم الأبناء؟

هذه التجربة - والعديد من التجارب الأخرى - أوضحت أن الأبناء يتعلمون السلوك عن طريق ملاحظتهم لسلوك الآخرين، خصوصاً الوالدين. بل إن الدراسات تؤكد أن التعلّم عن طريق ملاحظة سلوك الوالدين هو أشدّ من التعلم عن طريق التوجيهات والأوامر. قد لا تكون هذه معلومة جديدة عند البعض، إلا أننا نغفل عن ذلك أثناء ممارستنا للتربية في الواقع.

كيف؟ خذ على سبيل المثال صاحبي الذي «قال» لولده اقرأ، ولكنه «فعل» عكس ما قال. ولاحظ تصرُّف الأم التي أرادت تأديب ولدها الذي سبّب إزعاجاً فصرخت به أمام الملأ: تأدّب يا حمار! وماذا عن الأب المدخن الذي توعّد ابنه بأشد الوعيد لو رآه ممسكاً سيجارة؟ هذا البون الواسع بين ما ندعوا إليه وما نفعله نحن، هو في الحقيقة مدعاة للتأمل، والضحك.

لنعلَم أن أفعالنا هي أبلغ من أقوالنا. إذا أردنا أن نغيّر شيئاً في أبنائنا، حريٌّ بنا أن نكون القدوة الحسنة فيه. أو كما قال غاندي ”كن أنت التغيير الذي تحب أن تراه“. عندها سيتبع أبناؤنا التوجيهات حتى قبل أن نقولها. سيتعلمون التعامل مع الآخرين بأخلاق راقية، ويمارسون العبادات في أوقاتها، ويقبلون على العلم والعمل.

«بيان» تتأخر من جديد

ذات يوم، أردت أن أذهب مع طفلتي «بيان» إلى بيت عمي. ولكن بيان لم تَزَل تلعب متجاهلة طلبي المتكرر أن تبدّل ثيابها. أمرتها وأنا مشغول بالكمبيوتر أقوم ببعض الأعمال ”قلت لكِ قومي البسي“. فنظَرَت إليّ بحزم وقد ضاقت ذرعاً، ثم قالت ”ألبس لما تقوم أنت تلبس“!

لا أدري لماذا شعرت ببعض الألم في جبهتي!