آخر تحديث: 9 / 12 / 2021م - 2:11 م

الحسد يقسم المجتمع

عدنان أحمد الحاجي *

بقلم كلوديوس غروس، برفسور الفيزياء النظرية في جامعة جوته

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

راجعه الدكتور ثامر عبدالمحسن العيثان، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

Envy divides society

June 17,2020

Claudius Gros

أظهرت دراسة نظرية اللعبة «للتعرف على هذه النظرية، راجع 1» أن الحسد المقترن بالمنافسة يُقسّم المجتمع إلى طبقتين عليا ودنيا

هل يمكن أن تظهر الاختلافات الطبقية بسبب ذاتي داخلي، أي غير متعلق بالولادة والتعليم؟ تابع البروفسور كلوديوس غروس Claudius Gros من معهد الفيزياء النظرية بجامعة جوته Goethe هذه المسألة في دراسة نظرية اللعبة. استطاع كلوديوس على اثبات أن الحاجة الإنسانية الأساسية لمقارنة الذات «النفس» بالآخرين قد تكون السبب الجذري لتشكيل الطبقات الاجتماعية.

من المسلم به عمومًا أن الاختلافات في الخلفية والتعليم تعزز الاختلافات الطبقية. من غير الواضح متى وتحت أي ظرف يمكن للقوى النفسية الفردية أن تدفع بمجموعة اجتماعية متجانسة على الإنفصال في البداية وتقسمها في النهاية. قام كلوديوس غروس، برفسور الفيزياء النظرية في جامعة جوته، بالتحقيق في هذه المسألة بطريقة رياضية دقيقة باستخدام أساليب نظرية اللعبة «1». ”في هذه الدراسة، تمت محاكاة أفراد فاعلين societies of agents - ضمن نظرية اللعبة هذه، مما يعني أن كل فرد يحسّن من نجاحه الى الحد الأمثل وفقًا لقواعد محددة مسبقًا. أردت أن أعرف ما إذا كانت الاختلافات الاجتماعية يمكن أن تظهر من تلقاء نفسها إذا لم يبدأ أحد الأفراد بالإستفادة من مزايا [يمتلكها من السابق] - أي عندما يكون لدى جميع الفاعلين نفس المهارات والفرص“، كما بيّن كلوديوس.

الدراسة استندت إلى فرضية أن هناك أشياء في كل مجتمع مطلوبة ولكنها محدودة - كالوظائف والتواصل الاجتماعي والمناصب القيادية. وبذلك تنشأ حالة عدم المساواة لو كان المنصب الأعلى مشغولاً بالفعل فعلى المرء أن يقبل ثاني أفضل وظيفة متاحة - ولكن لا يقبل التقسيم المجتمعي. بمساعدة الحسابات الرياضية، تمكن غروس من إثبات أن الحسد، الذي ينبثق من الحاجة إلى مقارنة الذات «النفس» بالآخرين، يغير السلوك الفردي وبالتالي يغير استراتيجيات الأفراد الفاعلين بطرق مميزة. نتيجة لهذا السلوك المتغير، ظهرت طبقتان اجتماعيتان منفصلتان تمامًا.

توفر نظرية اللعبة «1» الأدوات الرياضية اللازمة لنمذجة حالات اتخاذ القرار مع العديد من المشاركين، كما هو الحال في الدراسة التي أجراها غروس. بشكل عام، المجموعات التي تؤثر فيها استراتيجيات اتخاذ القرار الفردية لدى الجهات الفاعلة على بعضها البعض تتكشف بشكل خاص. لا يعتمد نجاح الفرد إذن على أفعاله فحسب، بل على أفعال الآخرين أيضًا، وهو أمر مطابق لكل من السياقات الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي فإن نظرية اللعبة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد. شرط ثبات نظرية اللعبة، يسمى ب ”توازن ناش“ «معلومات عنه في 2»، هو مفهوم طوره جون فوربس ناش John Forbes Nash في رسالته لدرجة الدكتوراه في عام 1950، مستخدمًا مثال لاعبي البوكر «معلومات عن هذه اللعبة في 3». ينص توازن ناش على أنه في حالة التوازن، لا يكسب أي لاعب أي شيء بتغيير استراتيجيته إذا لم يغير اللاعبون الآخرون استراتجياتهم أيضًا. الشخص لا يجرب أنماطًا سلوكية جديدة إلاّ إذا كان هناك مكسب محتمل. وبما أن هذه السلسلة السببية تنطبق أيضًا على العمليات التطورية «الإرتقائية»، فإن العلوم التطورية والسلوكية تتكيء بانتظام على نماذج نظرية اللعبة، على سبيل المثال، عندما تُجرى أبحاث في سلوكيات الحيوانات كمسارات الطيران التي تتخذها الطيور المهاجرة أو في تنافسها على أماكن بناء أعشاشها.

حتى في المجتمع الطبقي الناجم عن الحسد لا يوجد حافز للفرد لتغيير استراتيجيته، وفقًا لغروس. لذلك فهو مستقر طبقًا لناش. في مجتمع الحسد المنقسم، هناك فرق ملحوظ في الدخل بين الطبقة العليا والدنيا وهو نفس الفرق لجميع أفراد كل طبقة اجتماعية. من المعتاد بالنسبة لأفراد الطبقة الدنيا، وفقًا لغروس، أنهم يقضون وقتهم في سلسلة من الأنشطة المختلفة، وهو أمر تسميه نظرية اللعبة ”استراتيجية مختلطة“ mixed strategy «انظر 4». ومع ذلك، يركز أفراد الطبقة العليا على مهمة واحدة، أي أنهم يتبعون ”استراتيجية محددة“ pure strategy «انظر 4». ومن اللافت للنظر أيضًا أن الطبقة العليا يمكنها الاختيار من بين خيارات متنوعة بينما لا تتمتع الطبقة الدنيا إلا بإمكانية الوصول إلى استراتيجية مختلطة واحدة. يلخص الفيزيائي ناش القول: ”إن الطبقة العليا هي لذلك السبب أنانية، بينما الأفراد الفاعلين في الطبقة الدنيا يضيعون في الزحمة، إذا جاز التعبير“.

في نموذج كلوديوس غروس، ما إذا كان الفرد الفاعل يحل في الطبقة العليا أو الدنيا هو في النهاية مسألة مصادفة. تُقرر من خلال ديناميات التنافس وليس من خلال أصل التنافس. لأجل القيام بدراسته، طور غروس نموذجًا نظريًا جديدًا للعبة، وهو ”نموذج إشكالية - الاختيار shopping trouble model“ " وعمل على حل تحليلي دقيق. ومنه، استنتج أن المجتمع الطبقي الناجم عن الحسد يمتلك خصائص تعتبر شاملة في نظرية الأنظمة المعقدة.

والنتيجة هي أن المجتمع الطبقي خارج عن السيطرة السياسية إلى حد ما. صانعو القرار السياسي يفقدون جزءًا من خياراتهم من أجل السيطرة عندما ينقسم المجتمع تلقائيًا إلى طبقات اجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، يوضح نموذج غروس أن الحسد له تأثير أقوى عندما تكون المنافسة على الموارد المحدودة أقوى. ”الرؤى النظرية لهذه اللعبة يمكن أن تكون ذات أهمية محورية. حتى“ المجتمع المثالي ”لا يمكن الحفاظ عليه بشكل ثابت على المدى الطويل - مما يجعل السعي إلى مجتمع شيوعي يبدو في نهاية المطاف أنه غير واقعي“، كما لاحط غروس.