آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:21 م

ثلاثاء القطيف.. هل تسرق عيون الزوار والسياح أيضا؟

جمال بنون * صحيفة مال الإلكترونية

علاقتي بالمجالس الثقافية والأدبية ضعيفة وربما لا تذكر، والكثير من أصدقائي لا يدعونني لأنهم يعرفون أن اهتماماتي تنصب على الموضوعات الاقتصادية وسرقتني خلال مهنتي الصحافية الأحداث والمنتديات والمؤتمرات، حتى سفرياتي كان الجانب الاقتصادي هو الحدث الأبرز.

اهتمامي بالأدب والثقافة والمجالس الأدبية كانت في فترة مؤقته من ريعان شبابي، فكنت احرص على حضور أنشطة نادي مكة الثقافي والأدبي ومجلس أدباء وشعراء بارزين في مكة، من بينهم الشاعر إبراهيم فودة الذي كان ينعقد كل اثنين ومجلس الوزير الراحل حسين عرب والشاعر علي أبو العلا، رحمه الله، وكنت احضر لمنزل الأديب احمد عبد الغفور عطار وكنت ارتاد منزله كثيرا، عندما كان يسكن في القشلة في مكة المكرمة واذكر إنني حضرت مرة أو مرتين إثنينية عبد المقصود خوجة وثلوثية أبو الشيماء محمد سعيد طيب، مرافقا للزميل الإعلامي كمال عبد القادر، وتدريجيا انسحبت تماما من حضور هذه المنتديات الثقافية، سرقتني الصحافة الاقتصادية وقذفتني بعيدا، وسط الغرف التجارية والأرقام ورجال الأعمال وأخبار الشركات، لم اعد أتذكر من المسامرات الثقافية في الماضي سوى كتب الشعر والأدب التي كنت احصل عليها مع توقيع وإهداء من أصحابها والبعض منها كنت اشتريها وقليل منها كانت تدخل ضمن الممنوعات داخل الملابس وحقيبة السفر، مثل كتب نزار قباني وغازي القصيبي وقصائد أبو نواس.

بحكم عملي الصحفي كنت اقرأ عن الأنشطة الثقافية هنا وهناك، واقرا عن فعاليات تنظمها هذه المنتديات والصالونات الأدبية، خميسية حمد الجاسر في الرياض، وإثنينية الشيخ عثمان الصالح، وهناك طابور طويل من هذه الصالونات الأدبية التي قامت على يد مثقفين ومفكرين، واهتمت بمناقشة وطرح موضوعات مختلفة، وربما لم تثر اهتمامي هذه الصالونات لأنها كانت محدودة في طرح القضايا الثقافية والفكرية ولم يكن لديها تنوع في الطرح يتماشى التطور الحضاري والتقني والمكانة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في كافة المجالات، فكانت هذه الصالونات ربما لان مؤسسيها هم من المثقفين والشعراء والأدباء فكان نصيب الأدب له الحصة الأكبر من هذه الأمسيات.

في السنوات الثلاث الأخيرة، لفت انتباهي بشكل مميز أنشطة وفعاليات منتدى الثلاثاء الثقافي في مدينة القطيف، وربما ساعدت مواقع التواصل الاجتماعي وحسابات المنتدى أن تنقل لي صورة مختلفة عما كنت احمله في ذهني عن الصالونات والمنتديات الأدبية، هذا المنتدى نقل لنا صورة المثقف وأيضا المنتديات والصالونات بشكل أوسع وغيرت الصورة الذهنية لدى المتلقي أنها فقط مخصصة للمساجلات الشعرية وبحورها والفلسفة الثقافية، فالمثقف اليوم يحمل هموم وطنه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وطبيا وكل نواحي الحياة، سوف أقول لكم كيف استطاع منتدى الثلاثاء الثقافي أن يسرق اهتمامي، وربما نال إعجاب الكثيرين من المتابعين لأنشطته، لأنه يتناول مواضيع التعايش المجتمعي والسلم الأهلي والتسامح الديني والتعددية والتنوع وحقوق الإنسان وتجديد الفكر الديني، وخلال مسيرته التي تجاوزت العقدين، نظم

المنتدى457 ندوة، شارك فيها 763 محاضر، وأقام 131 معرضا فنيا، وكرٌم 174 شخصية ومبادرة، وعرض 99 فيلما قصيرا وتوقيع 33 كتابا، واللافت أن الكثير من الشخصيات الرسمية شاركت في مختلف المجالات العلمية والاجتماعية والصحية والفكرية والحقوقية. ولعل اهم سبب في تميزه وانفراده انه لم يعتمد في إدارة المنتدى على شخص واحد وهو المؤسس الأديب والكاتب د. جعفر محمد الشايب، ومنذ عامه الثالث بعد التأسيس يدير المنتدى مجلس إدارة يضم نخب مثقفة واجتماعية وتربوية هي الجهة المعنية بتنفيذ فعاليات وأنشطة المنتدى ومتابعتها وتتألف من مجموعة من العناصر الفاعلة والكفؤة التي تعمل على تحقيق أهداف المنتدى.

واظهر منتدى الثلاثاء كفاءة عالية خلال أزمة كورونا بتنظيم وإقامة فعالياته وأنشطته عبر تطبيقات متنوعة وعن بعد، واستضافته ضيوف ليس فقط من داخل مدينته الجميلة التي يقع فيها مقر المنتدى“القطيف”بل تجاوز ضيوفه حدود الوطن ليخرج الى العالمية، ليمنح لنفسه مكانة عالمية وسط العديد من المنتديات والصالونات الثقافية، ونشيد بفريق العمل الذي بث الروح والأمل بعدما كادت أن تختفي أو تندثر نتيجة الفضاء المفتوح وتنوع مواقع التواصل، وتجد أخبار المنتدى لحظة بلحظة في كل المواقع مزود بمقاطع فيديو وصور وأخبار وبالتالي تحضر بقوة وسط هذا الكم الهائل من البرامج الترفيهية المتنوعة. واختارت موضوعاتها وفق الأوضاع التي كانت تمر بها البلاد سواء في الشأن الاقتصادي وأيضا الحوافز التي قدمتها لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وأيضا المبادرات التي طرحتها وواكب المنتدى استضافة السعودية لقمة العشرين ويعكس بذلك النظرة التي كانت عن الصالونات أنها فقط للنخب المثقفة، بل هي صالونات لكل فئات المجتمع.

إدارة المنتديات والصالونات الثقافية عمل شاق وجهد جبار وهو أن تحافظ على مكانتك لدى نخبة من المثقفين وأيضا لدى مختلف شرائح المجتمع، خاصة اذا علمنا أن الإنفاق على الأنشطة يتم طوعيا ومن جيبهم الخاص، فهذه الصالونات لا تلقى الدعم الحكومي سواء دعم مباشر أو لوجستي، واستمرار المنتدى على مدى عقدين من الزمن بنفس الجودة والإيقاع، حتى اصبح اليوم منتدى الثلاثاء في القطيف، ليس فقط علامة ثقافية مهمة بل تفتح باب لمشروعات ثقافية في المستقبل وهو الدعاية والترويج لهذه المدينة الصغيرة، واستقطاب سياح وزوار، وربما تحول الى علامة تجارية قديتم استنساخها في مدن أخرى، وهذا يحتاج من وزارة الثقافة والسياحة والترفيه أن تعطي هذا الجانب اهتماما وتقدم لها الدعم والتشجيع والتحفيز.