آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 2:38 ص

د. سعيد السريحي: حياة ثقافية مملوءة بالدروس

محمد الحرز * صحيفة اليوم

تحت ذاكرة الشعر، ذاكرة الكتابة، كان عنوان السهرة مع د. سعيد السريحي، خلال هذا الأسبوع، في إحدى غرف «clubhouse» حيث كنت منصتا طوال السهرة إلى حديثه الشيق الذي لا يمكن أن تمل منه على الإطلاق، كان حديثا أشبه بسيرة حياة كانت لها بصمتها في المشهد الثقافي السعودي، وأثرها الكبير في الحراك الذي شهده المشهد في الثمانينات وما تلاه من عقود لاحقة.

د. سعيد الذي حرم من لقبه الجامعي بسبب اليد الطولى المهيمنة في تلك الفترة للصحوة، يعطي الدليل تلو الدليل على أن من يصنع التنوير والوعي والتغيير في مفاصل الثقافة لا ينتظر لقبا يوضع أمام اسمه، ولا يصارع ويبذل الغالي والنفيس لأجله، كما يفعل الكثير الذين يحرصون دائما وأبدا على أن يقدموا أمام الجمهور وفي الأمسيات بألقابهم الأكاديمية، وكأنها جوازات سفر لا يمكن العبور بها إلى الثقافة والإبداع وجمهوره إلا بها.

صاحب كتاب «الرويس» من طينة مختلفة تماما، لم يخض صراعات جانبية، ولا أهدر طاقته عليها، بقدر ما كان أمينا على نصه الذي يكتبه، شغوفا بالمعرفة ومنشغلا بها، منصتا إلى ندائها الداخلي الذي يغني عنده عن كل نداء خارجها، لذلك حين يتكلم فهو يتكلم بحب، وعندما ينصت فهو ينصت بحب، وعندما يكتب فهو يكتب بحب، لا ضجيج يصاحب صوته حين يتحدث، لا ادعاء أو رغبة في الاستحواذ أو التملك حين يطرح فكرته، يحلل فكرته ويدعوك أن تشاركه التحليل واستخلاص النتائج معا.

مؤلف «غواية الاسم، سيرة القهوة وخطاب التحريم» حين تقرؤه لا ينفلت خيط النظرات من يديك، ولا يرتخي أيضا، الدهشة والمتعة لا تنفك تسنده حتى لا ينفرط، وتقع نظراتك على الأرض. ومثلما يحدث ذلك معك حين تقرؤه نصا، يحدث أيضا حين تقرؤه جسدا. كنت أكثر من محظوظ حين شاركته في إحدى الندوات، وكنت أكثر سعادة حين جالسته في الكثير من اللقاءات الجانبية التي جمعتنا في مناسبات متعددة. وعندما أقول هو الوجه الآخر لنصه، فإني أعني ما أقول، حضور مبهر لذاكرة تسرد أدق التفاصيل وما ينطقه من كلام لا يختلف عما يكتبه من ألفاظ، فالتوافق بين الكلام والكتابة نادرا ما يجتمعان كصفة في شخصية المثقف، غير أن السريحي احتواهما معا بقدرته البلاغية في الكلام والكتابة، وببصيرته العميقة في اختيار مواضيعه، انطلاقا من منطقة هادئة في الاشتغالات الفكرية والثقافية، فحين أصدر كتابه «حجاب العادة أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة» سنة 1996م كنت قد كتبت عنه في حينه، وأشرت إلى مكمن التناول الذكي لما يعنيه موضوع الكرم عند العرب بين ما يقوله الخطاب وما تنتجه التجربة، توافقا أحيانا واختلافا أحيانا أخرى.

وكما تعلمون مثل هذه الاشتغالات نصادفها أيضا في بقية مؤلفاته «العشق والجنون» أو «تقليب الحطب على النار» فهي تنطوي على ما يشي بأن اشتغالاته تنبني بهدوء ودون صراخ أو تثير ضجة وصراخا كما عند غيره حتى يقول إنني هنا أو هأنذا.

وعندما سأله أحد الحضور في هذه الأمسية عن دور وزارة الثقافة في تقديم الثقافة والمثقفين السعوديين إلى الخارج، أجاب: قبل أن نبحث عن دور لها، على المثقفين أن يدركوا دورهم، وعليهم ألا ينتظروا حتى تقترح عليهم الوزارة ما سوف يقومون به من أدوار ووظائف. يقول: لقد شاركت أكثر من مائة مشاركة خارج المملكة بين ندوات ومحاضرات، ولم تكن منها سوى دعوتين رسميتين باسم وزارة الثقافة أما البقية فهي دعوات شخصية.

لذلك من أراد أن يعلي من شأن ثقافة بلده عليه أن يبادر ويقدم ما يخدم ثقافة بلده كما هي تجربة د. سعيد السريحي فألف تحية ومحبة له.