آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 9:03 ص

ساعةُ جلاء

ليلى الزاهر *

ليس من السهل تغيير عاداتنا أو أماكن نومنا أو حتى مقاعد جلوسنا فعندما يعتاد الإنسان أمرا ثمّ يألفه قد يصعب عليه استبداله.

دخلت سناء منزلها وهي حزينة وأشاحت بوجهها بعيدا لاتريد أن يراها أحدٌ وقد امتلأ وجهها بالدموع، لمحتها والدتها وقد ابتلعتها ممرات البهو المؤدي نحو غرفتها.

طرقت أمها الباب واستأذنتها بالدخول؛ لأول مرة وجدت سناء على غير عادتها في حال عودتها من المدرسة، وشعرت بالحزن يلفّ ملامحها اقتربتْ منها وسألتها بهدوء عمّ حدث؟!

شعرت الأم بالكلام يشدّ على بلعومها وبالكاد يخرج وأخيرا تحدثت وقالت:

أمي جاء اليوم قرار إزالة لمدرستنا وتمّ تقسيم الطالبات على مدارس الحي وصار نصيب فصلي في المجمع الكبير الذي يضم الثانوية والمتوسطة وغدا سوف يكون أول يوم لنا هناك.

ابتسمت الأم قائلة:

لابأس ياعزيزتي لن نتسرع في إطلاق الحكم على تجربة لم نخض تفاصيلها بعد ولم تتضح إننا لانريد أن نفسد متعة وجمال التغيير فهو مجهول بالنسبة لنا.

ولعل الغد أفضل من اليوم. لابأس عليك صغيرتي. سوف تذهبين غدا لمدرسة جديدة، أكبر من مدرستك بكثير وسوف يكون لديك صديقات جدد من المرحلتين الثانوية والمتوسطة، وقد أوشكتِ على الانتهاء من المرحلة المتوسطة، وربما كان ذلك من باب التمهيد لك؛ كي تعتادي المدرسة الثانوية التي سوف تكون مدرستك في العام المُقبل.

هيا ياعزيزتي لاتجعلي هذا الموضوع يشلُّ عزمك ويسحق آمالا كنت تنقرين أبوابها.

قابلت سناء كلمات أمها بالرضا وبدأت تحزم أفكارها وتنسج خيوط خيالها باتجاه المدرسة الجديدة، لعل عسر الأمور تنقلب يسرًا.

في اليوم التالي طرقت سناء جميع أبواب الأمل مقرونة بالتوكل على الله، وفي طريق ذهابها للمدرسة صادفت رجلا عجوزًا كان جالسا على الرصيف يطالع المارة بعين تحكي شظف العيش. لقد أخبرتَها معالم وجهه بقصة السنين التي سوف تمضي بأيامها وأعوامها وتطوي الكثير من الصفحات التي لانرغب بوجودها في حياتنا وكما تقول أمها كلّ مُيسر لما خُلق له.

كانت أولى خطواتها للمدرسة الجديدة تحمل شيئا من الاضطراب ولكنها حاولت أن تتغلب عليه وألا تبوح أمام نفسها بالقلق والخوف من المدرسة الجديدة.

ودخلت سناء مدرستها الجديدة ولم تتوقع في يوم ما أنها سوف تعشقها وسوف تُنشئ صداقات ربما امتدت لسنوات طويلة.

بعد مرور أيام قليلة تُوّجت سناء بطلة الإذاعة المدرسية فقد كانت سيدة الموقف في الإلقاء، وعُرفت في المجمع المدرسيّ الثانوي والمتوسط بالطالبة الأديبة، وسرعان مااندمجت مع معلماتها الجدد وطالباتالمدرسة وشقّت صفوف التفوق بإنجازاتها المتعددة.

لقد اُختيرت سناء من المرحلة المتوسطة وزميلتها عبير من المرحلة الثانوية لتمثلا مدرستهما في مسابقة تحدّي الإلقاء.

وهكذا ارتبطت سناء بعبير، كان رباطا وثيقًا فلم تكتمل الصورة بعد ولنتابع الأحداث.

أيّ إنجاز في عالم كنت تسمع عنه فقط فيضمحل الخوف منه دوينمو الحب والتألق معا عندما ترتاد جميع زواياه.!

دفعة واحدة تدخل سناء عالم عبير الجميل ورفقتها الصالحة.

تجري الأيام برفقتهن وتنتصر سناء بالظفر بهن كمن ربح جولة في سباق وينتظر جولات أخرى تساند فوزه.

اندمجت سناء مع رِفْقتِها الجديدة بالرغم من اختلاف أعمارهن إلا أنهنّ لم يشعرنها بأنها تصغرهن بالعمر.

أُعجبت سناء كثيرا بمشروع عبير ورفقتها الذي أطلقن عليه ”ساعة جَلاءِ“.

وباختصار شديد هذه الساعة خُصصت للقراءة والبحث الحرّ.

فقد كنّ يجتمعن كل يوم في منزل عبير حيث سمح والدها بجلوسهن في مكتبته ساعة كل يوم هي ساعة الصفاء والنقاء. وكنّ ينهلن خلال هذه الساعة من شتى المعارف وصنوف الآداب، يتناقشن، يتباحثن، يضفن صورا معرفية جديدة لمداركهن فيتسع الأفق العلمي لديهن.

انضمت سناء لهن في هذه الساعة وكانت تصفهن بمشاعل النور قائلة: هم مشاعل من نور يقتاتون الصفاء والأنس في أحضان الكتب، فتشعّ دروبهم بكل ماهو جديد ثم يضعن خبراتهن تحت تصرف الجميع ويتبادلن المعلومات القيمة التي حصدنها فيساعة الجلاء.

تعلمت سناء من هذه الرفقة تنظيم الوقت، وحب الاطلاع، تعلمت منهن كيف يعيش الإنسان لينمو فكره وتكبر تطلعاته.

كانت تقول: في بداية الأمر اندهشت كثيرا لبراعة تنظيمهن لوقتهن بين الدراسة وشغف الهواية. وقد راودني خاطر بأنهم يعشنْ وهم التفوق فمن أين لهن بفائضٍ من الوقت لهذا الإنجاز كلّه؟!

لكنني لاحظت أنهن بالفعل يجمعن الكثير من الصفات الرائعة والمتنوعة بشكل أدهشني.

ولا يدعين التفوق أو الإبداع بل يعشنهُ بكل تفاصيله.

امتلأت اجتماعاتنا في ساعة جلاء بالنقاشات الثريّة جدا جعلتني أتلهفُ للقائهن في كلّ يومٍ ولا أتأخر عن الحضور في الوقت المحدد.

كانت ساعة جلاء من أجمل ذكريات عمري التي ساهمت كثيرا في تفوقي حتى في دراستي الجامعية.

بسطنا صداقتنا، أفراحنا، أحزاننا فوق بساط ساعة جلاء نلتمس هواء نقيا يجمعنا بالكلمة الصادقة والمبادئ السامية.

تختلف ساعة جلاء عن تلك اللقاءات العابثة التي تملؤها قلة الاحترام، وتضيع خلالها المثل الإنسانية الراقية.

مرّت بخاطري ساعة الضيق التي عشتُها في صفي الثالث من المرحلة المتوسطة عندما سمعتُ خبر انتقالنا لمدرسة جديدة، لم أعرف أنها سوف تكون من أجمل المدارس عندي؛ لأنني حظيت برفقة رائعة جدا شكّلت شخصيتي وقفزت بي نحو عوالم ممتعة جدا. اكتشفتُ خبايا نفسي من خلال ساعة جلاء.

جمعتني ساعة جلاء بالكثير من العلماء والفلاسفة والشعراء والأطباء والجهلاء والأغنياء والفقراء. عشت الأزمنة المختلفة في زمن واحد، شاركت جميع العقول، وأدركت فوارق العقل البشري في جميع مراحل صاحبه العمريّة.