آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

الدبلوماسيّة الثقافيّة كموطدٍ للعلاقات السّعودية - العراقيّة

حسن المصطفى * صحيفة العربية

التراث، الآثار، الثقافة، الترجمة، النشر.. التنوير الذي ظل يشغل المثقفين العرب طوال قرن من الزمن، وما زال مسيرة غير مكتملة؛ موضوعات عدة كانت محل نقاش حيوي وثري، خلال الندوة الافتراضية التي أقامها ”مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية“، الأربعاء 24 مارس الجاري، بعنوان ”العلاقات الثقافية السعودية العراقية: مجالات الاهتمام المشترك وآفاق التعاون“، واستضاف فيها وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي د. حسن ناظم، وحاوره الأمين العام للمركز د. سعود السرحان.

الندوة حملت أسئلة معرفية عدة، تبحث في مآلات الثقافة العربية، وإخراجها من جمودها أو أحاديتها إلى أفق متعدد متنوع يعترف بالآخر، ولا يختزله في صورة أو نمط محدد، ويرفد هذا التنوع بالعمل الدؤوب والنشر والترجمة والتواصل بين السعودية والعراق، عبر المشاريع المؤسساتية، التي ترعاها الدولة، بوصفها رافعة لـ ”التنوير“ الذي لا يصح أن يبقى حلم أفراد، بل على الدولة المدنية الحديثة، أن تكون داعمة له، دون تدخلٍ يحيدهُ عن جادته. فالتنوير، فعلٌ تراكمي، يتحقق في الفضاءات الحرة التي تجنح للتساؤل، الابتكار، المغايرة، والقدرة على استشراف الأفكار، وبناء النظريات، والتجريب المستمر.

هذه ”الأمسية الثقافية“ يمكن قراءتها ضمن سياق تعزيز العلاقات الثنائية بين الرياض وبغداد. وهي علاقات أخذت زخماً أكبر بعد تولي السيد مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء في العراق، وترحيب القيادة السعودية بالتغيرات الحاصلة في الخطاب السياسي العراقي الرسمي، وهو ما توّج في القمة الافتراضية التي ضمت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في نوفمبر 2020، وهو اللقاء الذي سبقته وتبعته زيارات عدة لوفود عراقية رفيعة للسعودية، وأيضاً وفود سعودية للعراق، وسط استمرار أعمال ”المجلس التنسيقي السعودي - العراقي“، الذي رعى توقيع عدد من الاتفاقيات، وشرع عملياً في تنفيذ مجموعة من الخطوات والأعمال المشتركة.

هنالك رغبة حقيقية سعودية في أن يسود الأمن في العراق، وأن تكون هنالك حكومة قوية، مستقرة، مستقلة في قراراتها عن التدخلات الأجنبية، تستطيع أن تدير الشأن العراقي الداخلي، وتواجه الإرهاب، وتمنع انفلات السلاح بيد الميليشيات، وتشتغل بالتنمية. والرياض في هذا المجال، تعتبر أن تحقق ذلك جزء من أمنها القومي، وأن تعافي العراق هو مصلحة سعودية. من هنا، فإن الدعم الذي تحظى به العلاقات بين البلدين، ليس ذا طبيعة مؤقتة، أو أنه كما يفسر البعض قبالة النفوذ الإيراني. صحيح أن السعودية لا تريد لطهران أن تتحكم في بغداد، وليس من مصلحتها أن تكون لإيران أذرع مسلحة في العراق، إلا أن ذلك ليس كل المشهد. فبقدر ما سيكون من مصلحة السعودية أن لا تكون إيران لاعباً سلبياً ومدمراً في العراق والخليج، بقدرِ ما تعتقد أن الشراكة الاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية مع العراق هي علاقات ذات طابع استراتيجي، يجب أن تبنى كفعلٍ يتصفُ بالوعي الدبلوماسي والديمومة والصبر، من دون أن تجعل السياسات الإيرانية عائقاً يحول دون تحقق ذلك.

إحدى أهم الرافعات الدبلوماسية للعلاقات الرسمية والشعبية بين السعودية والعراق، هي ”الثقافة“ بتنوعها: الأدب، الشعر، الرسم، النحت، المسرح، الفنون البصرية، الموسيقى، النشر، الفلكلور، الأزياء، الآثار، السينما.. وجميعها مجالات تعاون مشترك، يمكن أن تفتح آفاقاً لبناء ثقافة مدنية تتجاوز العصبيات المذهبية والطائفية والعرقية، وتؤسس لخطاب عابر لـ ”الهويات الضيقة“، وقادر على التأثير الإيجابي في المواطنين على الضفتين.

الوزير العراقي د. حسن ناظم، سيزور العاصمة السعودية الرياض في إبريل القادم، ضمن وفد سيلتقي وزراء ومسؤولين سعوديين، وهي فرصة للحوار مع الوزير الذي يدير ثلاثة ملفات مهمة: الثقافة، السياحة، الآثار. ما يعني أنه قادر على بناء شراكات مع وزارتي الثقافة والسياحة السعوديتين. ويمكن أيضاً عقد لقاءات مع الهيئات التابعة لوزارة الثقافة، خصوصاً أن هذه الهيئات تحظى برؤية جديدة، ومرونة في العمل الإداري، والأهم طموحها لأن تقدم شيئاً مختلفاً ذا مستوى رفيع ثقافياً وفنياً، وهو الطموح ذاته الذي تحدث عنه الوزير ناظم في حواره مع د. سعود السرحان.

لسنوات طويلة، وتحديداً منذ عام 2003، شاب علاقات العراق مع الجوار الخليجي الكثير من الأزمات، نتيجة تداعيات سقوط نظام صدام حسين، والتدخل الأميركي، وعمليات الإرهاب التي شنتها ”القاعدة“، وتالياً نشوء ”داعش“، ومن جهة أخرى الميليشيات المسلحة الموالية لإيران؛ وهي عوامل أثرت سلباً على اسقرار العراق والخليج، وحدت من التواصل الفعال بين بغداد وبقية جيرانها، وحان الوقت لأن يعود الزخم الحقيقي لهذه العلاقات، لأن أمن دول الخليج لا يتحقق من دون استقرار العراق وسيادته ونهضته، و”الثقافة“ تشكل مدخلاً رئيساً في التغيير نحو خطابات تنويرية تصل بين الخليجيين، على تنوعهم، وتحد من سطوة خطابات الكراهية والعنف.