آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:21 م

تطور مفهوم الدراسات الأمنية

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

ناقشت في مقاليَّ السابقين ”مراكز الدراسات والتفكير المستقبلي“ و”مراكز الدراسات ورصد التغيرات الداخلية“، أهمية وجود ”بيوت أفكار“ مستقلة، تعمل بموضوعية وكفاءة عالية، وإمكانات بشرية ومادية، تقدم مشورتها لصناع القرار في السعودية، وفق نظرة استشرافية مستقبلية.

من ضمن حقول الدراسة المهمة ”الأمن“، وتحديداً ما يتعلق بقضايا ”التطرف“ و”الإرهاب“. فالتشدد الذي يبدأ كسلوك اجتماعي وخيار ثقافي، يتحول مع الوقت إلى فعل دموي، يبدأ بالعنف اللفظي، والموقف الازدرائي تجاه الآخر والمختلف، وصولاً إلى النبذ والتكفير وتالياً حمل السلاح، وهو عنف لم يطل المختلفين دينياً أو مذهبياً أو رجال الأمن وحسب، بل امتد إلى أن يقتل شبانٌ أعضاء من أفراد أسرهم!

السعودية قامت بحملة واسعة لمواجهة العنف والإرهاب، ولديها تجربة متقدمة في هذا المجال، فضلاً عن خزان المعلومات الضخم، الذي يعدُ ”كنزاً“ مهماً لفهم سلوك الجماعة المسلحة ودعاة العنف والكراهية، وطرائق تأثيرهم، وكيف يبنون خطابهم، والفئات التي يستهدفونها.

المعالجة المحلية لموضوع ”الإرهاب“ لم تقتصر على الملاحقات والمواجهات الأمنية. فآخر ما يفكر به أي جهاز هو قتل أو سجن المواطنين، حتى لو كانوا ”متشددين“. هو الحل الذي لا يتم الوصول إليه إلا في عند الضرورة، حينها تكون الحلول السابقة له قد استنفدت كلها، لأن المراد هو تحويل الفرد المتطرف من عنصر تخريب إلى طاقة بناء تشارك في عملية الإصلاح والتنمية.

في هذا الصدد، تم تأسيس ”الإدارة العامة لمكافحة التطرف“ التابعة لرئاسة ”أمن الدولة“، والتي كان اسمها سابقاً ”الإدارة العامة للأمن الفكري“، وتغير الاسم ليس تبدلاً شكلياً كما يعتقد البعض، بل هو أمرٌ مرتبط بالنظرة لعملية التغيير التي تنشدها ”الإدارة“، فهي تسعى لأن تواجه الخطابات المتطرفة بأشكالها المختلفة، وليس لأن تصنع قبضة حديدية على ”الفكر“ كما يتصور البعض. فالأجواء الحرة المنفتحة هي تلك الفضاءات الصحية التي لا ينمو فيها التطرف، لأن الأخير يعتاش على النظرة الأحادية الضيقة.

هذه ”الإدارة“ التي تقوم بالعديد من الأعمال بصمت وبعيداً عن الأضواء، يمكنها أن تجترح مشاريع عدة، لما تمتلكه من قاعدة بيانات ضخمة جداً، وهي بيانات يمكن تصنيفها، وتحليلها، وخلق مؤشرات منها، تستخلص منها دراسات علمية حقيقية، تكون معينة لصناع القرار في السعودية لفهم ظاهرة ”التطرف“ وأسبابها الحقيقية، بعيداً عن التحليل السطحي الذي يروج له البعض في عدد من الصحف والفضائيات.

”الإدارة العامة لمكافحة التطرف“ لديها تجربة مثيرة للاهتمام مع ”برنامج الرعاية والتأهيل - بناء“، وهو البرنامج الذي يستحق أن يكون موضوعاً للدراسة والتحليل، كونه نتيجة عمل مشترك بين ”أمن الدولة“ وأخصائيين نفسيين واجتماعيين وسلوكيين من المجتمع المدني، ولديهم دراساتهم للحالات التي استفادت من البرنامج، وتخرجت منه.

ذلك كان نموذجاً واحداً على أهمية الدراسات الأمنية الحديثة، ذات الطابع العلمي، وهي دراسات في المتناول، وإن كانت بسبب طبيعتها ”السرية“ لا تنشر، إلا أنها بالتأكيد ذات فائدة جمة، ويمكن نشر جزء منها بما لا يتعارض والقوانين المعمول بها.