آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:10 م

هل يمكن للكتابة أن تغير؟

محمد الحرز * صحيفة اليوم

حينما سئل أمبرتو إيكو في أحد حواراته: هل يمكن للكتابة أن تغير؟ أجاب: «لا يمكن للكتابة أبدا أن تغير الحاضر، بل تغير المستقبل فقط. تقرؤون كتابا، ويمكن له أن يؤثر فيكم بشكل عميق. وببطء تبدؤون بتغيير طريقة تفكيركم، شخصيتكم، وغدا أو بعد غد تبدؤون بالتصرف بشكل مختلف. في كل مرة نسأل فيها المثقفين عن إيجاد حل لمشكلات العالم نرتكب خطأ».

ثمة مسألتان لهما علاقة بالكتابة، وإن اختلف مسار كل واحدة منهما عن الأخرى، تطرق لهما أمبرتو إيكو في إجابته السابقة. الأولى ما يتصل من الكتابة بمفهوم التغيير، والأخرى ما يتصل منها في علاقتها بالمثقف إذا ما اختبر رأيه أمام مشكلات العالم.

وقبل الكلام عن هاتين المسألتين بشكل مباشر، لا بد من إيضاح خلفية السؤال، الذي سألته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في 5 تشرين الثاني 2007، الذي جاء في سياق الحديث عن قضايا تمس التطور التقني التكنولوجي المتسارع في جميع مجالات الحياة، وأثر هذا التطور على المعرفة واللغة والتاريخ والأدب والسياسة والعلاقات الإنسانية في مجراها العام. ومما يلفت النظر في هذا الإطار انتقال مفهوم الكتابة من وسيط تواصلي ليس في يده سوى أداتين القلم والورقة فقط، إلى وسيط آخر كما هو معروف من خلال الألواح الرقمية وما يرتبط بها من عوالم افتراضية تغذيها شبكات معلوماتية ضخمة تتدفق من كل حدب وصوب.

وفق هذا الأفق الكتابي، الذي يطغى على الثقافة المعاصرة، يمكن قراءة السؤال في ارتباطه بمفهوم التغيير، فالتطور التقني فيما يخص مسألة الطباعة على سبيل المثال سهّل بشكل لا سابق له تحرير الكتب وطباعتها ومن ثم انتشارها في أنحاء العالم، وتلقيها عند الناس أيضا بسهولة ويسر. وعلى ذلك جاء مفهوم التغيير في ارتباطه بالكتابة ضمن هذا الأفق أو التوجه العام، الذي تعيشه الثقافة المعاصرة.

لكن السؤال الذي طرح على أمبرتو إيكو فيه شيء من الاستفهام التشكيكي. فإذا كان هذا الأخير امتنع عن ربط التغيير بالحاضر، فإنه ألحقه بالمستقبل بناءً على التجربة الشخصية، التي يعيشها الفرد مع كتاب أثر به من العمق، فالكتاب ليس مختبرا علميا يمكن لنتائجه أن تطبق حرفيا على أرض الواقع، بل هو إدراك للعالم والحياة، حيث يظل يختمر في التفكير - بفعل أفكار هذا الكتاب أو ذاك - ببطء شديد، حتى إذا ما اكتمل كان على الزمن أن يتقدم.

هذا ما توحي به إجابة أمبرتو إيكو في شقها الأول. لكن ما لم يُجب عنه هو أن ظاهرة التغيير في الثقافة المعاصرة أصبحت هي الغاية والهدف في نفس الوقت، مفصولة عما يرتبط بها من ظواهر. أي أن التغيير أصبح مثل الطوفان، الذي اكتسح كل شيء في الحياة، وإذا ما توقفنا عند هذه العبارة فقط، لقلنا إن التغيير سنة طبيعية في الحياة. لكن ما يجعله شبيها بالطوفان هو ما يمتاز به بالسرعة الفائقة، التي تتجاوز فيها من التأثير الفردي إلى التأثير الجماعي. لذلك التجربة الفردية مع الكتاب في مسألة التغيير مقارنة بما يحدث من تغيير في كل مجالات الحياة تظل محدودة.

لكن في جانب آخر من مسألة التغيير، يوحي صاحب اسم الوردة إلى أن الكتاب، الذي يغير من طريقة تفكير الفرد المثقف ليس بالضرورة أن يملك حلولا لمشكلات العالم. وهذا يعني فيما يعنيه أن الأفكار مهما غيّرت من طريقة تفكير الفرد إلا أنها تظل أفكارا، لا تملك مختبر الحياة، لأن الفرد المثقف نفسه أو غير المثقف يخضع لتأثيرات التجربة الحياتية، كما يخضع للأفكار نفسها، والصراع ما بينهما هو الذي يصنع بالتالي شخصية الفرد مهما كانت صفته.