آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 9:31 ص

تأملات رمضانية 2

محمد أحمد التاروتي *

التفاعل مع المحيط الاجتماعي، واستشعار الفئات المحتاجة، والمبادرة لعمل الخير، ملامح واضحة في شهر رمضان، فمؤسسات المجتمع المدني تجد عونا كبيرا مع تباشر شهر الخير، مما ينعكس على زيادة فاعليتها في استمرارية المساعدة للفئات المحتاجة، انطلاقا من مبدأ ”التكافل الاجتماعي“، وتجسيد المبادئ الاخلاقية المحرضة للتعاون على البر والتقوى، ”أيّها النّاس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشّهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه“.

فريضة الصوم مناسبة سنوية للاحساس بالجوع والعطش، نظرا للامتناع على الاكل والشرب طوال ساعات النهار، الامر الذي يحفز المرء على مقاربة الفئات الفقيرة، التي تواجه الحياة بمزيد من الصبر، والبحث عن لقمة العيش، لاسيما وان الظروف القاهرة سواء كانت الكوارث الطبيعية، او فقدان احد اركان الاسرة، تقلب الاوضاع الاقتصادية لبعض العوائل رأسا على عقب، مما يجبرها على الصبر على الجوع، والبحث عن مصادر العيش، من خلال الكثير من القنوات الإنسانية، وكذلك التحرك للحصول على المساعدة من اهل الاحسان.

الاطار الاجتماعي يتجلى في ابهى صوره خلال شهر رمضان المبارك، من خلال المبادرات العديدة التي تطلقها بعض الشرائح الاجتماعية، بهدف تخفيف المعاناة الشديدة التي تعيشها بعض الاسر، فاطلاق تلك المبادرات ينطلق من عمل الخير وتجسيد التلاحم الاجتماعي، لاسيما وان التخفيف من معاناة الفقراء يعطي انطباعات إيجابية، بوجود تفاعل اجتماعي لدى العديد من الفئات، الامر الذي يتجلى احداث تحريك العناصر القادرة، على العطاء باتجاه دعم الفئات المحتاجة.

الاستشعار بالجوع والعطش امر بارز خلال ساعات الصيام، ”فانَّ الشقيَّ من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدَّقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم،“، فالاحساس بالحاجة الى الاكل ينمي بذرة الخير في النفوس، لاسيما وان المجتمع الميت يتغافل عن المحيط القريب، ويحاول العيش في جزيرة معزولة، من خلال اغلاق الاذان على معاناة واوجاع الفقراء، مما يضاعف من طابور الفئات المحتاجة في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان ادارة الوجة عن تقديم المساعدة القليلة للعوائل المحتاجة، يصيب المجتمع بالمرض الشديدة، مما يمهد الطريق لتحوله الى مجتمع ميت بعد فترة وجيزة.

المجتمع الحي يجد لذة وارتياحا كبيرا، في تقديم المساعدة للفقراء، فهو ينطلق من مبادئ اخلاقية قادرة على تحطيم الاهواء الشيطانية، الداعية لتجاهل نداءات الفئات المحتاجة، لاسيما وان الشعور بالمعاناة يكشف جانيا مضيئا لدى المجتمع، من خلال البحث الدائم عن تلك الفئات الفقيرة، والحرص على مساعدتها، سواء بشكل مباشر او غير مباشر، فالهدف السامي يتطلب بذل الجهد في سبيل الوصول، الى تلك الشرائح الاجتماعية المعوزة، بمعنى اخر، فان التحرك الاجتماعي باتجاه رفع مستوى الفقر، وكذلك ايجاد البرامج للقضاء على العوز، ينم عن الشعور بالمسؤولية تجاه هذه الشريحة الاجتماعية، الامر الذي يساعد في انقاذ تلك الارواح من الوقوع، في فخ بعض الممارسات غير الاخلاقية.

القدرة على ترجمة ساعات الصيام في نهار شهر رمضان بالاتجاه الاجتماعي، يعطي دلالات واضحة على وجود مرتكزات ايمانية، قوية قادرة على صنع الكثير من الانجازات خلال الشهر الفضيل، لاسيما وان الفسحة الزمنية القصيرة قادرة على وضع الكثير من المبادرات في الواقع الاجتماعي، مما يمهد الطريق امام مسيرة ايجابية على الصعيد الاجتماعي، خصوصا وان البيئة الاجتماعية الحية تحرص على خلق الظروف المناسبة، لتحريك مختلف الفئات الاجتماعية لرصد الصفوف، والحيلولة دون نشر الثقافة الانعزالية، عبر بث البرامج الداعمة للتعاضد المجتمعي، لاسيما وان الثقافة الانعزالية تتناقض مع الروح الجماعية، باعتبارها احدى ملامح شهر الصيام.

تصويب الاهتمامات باتجاه الاطار الاجتماعي، عنصر اساسي في زرع مبدأ ”التعاون“ في النفوس، فالعملية ليست منفصلة عن الممارسات العبادية، فالصيام بما يحمله من ترويض النفس على الصبر، وتحمل ساعات قليلة من الجوع والعطش، فانه يحمل العديد من المضامين السامية على الاطار الاجتماعي، نظرا لوجود بواعث كثيرة تدفع باتجاه البحث عن فعل الخير، وتقديم المعونة للمحيط الاجتماعي.

كاتب صحفي