آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 8:31 ص

تأملات رمضانية 11

محمد أحمد التاروتي *

علاقة المسلم مع القرآن واضحة منذ اطلالة الشهر الفضيل، فالصائم يحرص على إعادة بناء تلك العلاقة لتكون مستمرة، اذ تتفاوت تلك العلاقة بين الصائمين، وكذلك اختيار أوقات القراءة، بيد ان القاسم المشترك يتمحور في الإصرار على البدء في مرحلة جديدة، خصوصا وان قراءة آيات القرآن تحدث وقعا خاصا في النفوس، مما يساعد في إعادة ترتيب الاهتمامات الحياتية لدى المسلم، فالقرآن بما يحمل من وقع كبير في النفوس، قادر على تحريك القلوب، وارشاد الانسان الى الصلاح، والبحث المستمر على أسباب الحياة الاخروية، نظرا لوجود الكثير من السور القادرة، على إزالة قساوة القلوب من النفوس.

الحرص على نيل الثواب الجزيل، من قراءة القرآن في شهر رمضان المبارك، احدى المحركات الأساسية، لوجود الكتاب المبين بين ايدي الصائم، لاسيما وان ”وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ“، الامر الذي يدفع الصائمين لمحاولة مسابقة الزمن خلال الشهر الكريم، لقراءة الايات الكريمة، لاستغلال هذه الساعات القليلة في الطاعة، والابتعاد عن المعاصي، خصوصا وان البركات الكبيرة خلال الشهر الكريم، لا تعوض وكل يوم يمضي لا يعود، مما يدفع باتجاه التحرك الصادق، بإعادة العلاقة مع كتاب الله الكريم.

التوفيق الإلهي لقراءة القرآن امر أساسي، الامر الذي يتجلى في القدرة على توفير فترات طويلة، في التزود بالطاقة الروحية، وتخصيص أوقات محددة لقراءة القرآن، فالبعض غير قادر على تخصيص دقائق إضافية للقراءة، سواء نتيجة غياب التوفيق الإلهي، او نتيجة بعض المبررات الواهية، بيد ان الخسارة هي النتيجة الحتمة، من وراء عدم الاستفادة من الشهر الفضيل، في إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، بما ينسجم مع السير في طريق الفوز بالجنان، ﴿إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.

التفاعل الصادق مع الايات القرانية، عنصر أساسي في وضع الاقدام على الطريق السليم، فالعملية ليست بالمرور السريع على الايات، ومسابقة الزمن للخروج من الاستماع الى كلام الله، وانما وجود الدافع الداخلي لاحداث تغييرات حقيقية، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَ?ذَا الْقُرْآنَ عَلَى? جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وبالتالي فان القلوب الرطبة بإمكانها التفاعل الحقيقي، مع تلك الكلمات الساحرة، التي تحتويها الايات القرانية، الامر الذي يتمثل في التغيير السلوكي، والأخلاقي في الواقع الخارجي، سواء على الصعيد الفردي او المحيط الاجتماعي، فالآيات القرآنية قادرة على احداث تحولات كبرى في المفاهيم الأخلاقية، وإعادة ترتيب النظرة للحياة بما يعود على المسلم بالخير الجزيل.

علاقة شهر الصيام مع القرآن الكريم، ليست خافية على الصائمين، فالقرآن يصرح في اياته بتلك العلاقة التلازمية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ مما يجعل الشهر الفضيل اكثر قدسية لدى المسلم، على غيره من الشهور، بحيث اضحى رمضان المبارك ”ربيع القرآن“، حيث تصدح الحناجر في مختلف اصقاع الدنيا بالتلاوة على طول الشهر الفضيل ”هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ“.

تبقى علاقة الصائم بالقرآن مفتاح القلوب، ومبعث التحولات الكبرى في النفوس، نظرا للوقع الكبير الذي تحدثه الآيات القرآنية على الانسان، فالقرآن بما يحتويه من آيات، يحرك الانسان باتجاه العودة الصادقة للسبيل الرشاد، ووضع الضوابط القادرة على تنيبه الانسان، وعدم الانجرار وراء الاهواء، وعدم اتباع خطوات الشيطان ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ.

”أيها الصائم تقرب إلى الله بتلاوة كتابه في ليلك ونهارك قان كتاب الله شافع مشفع يوم القيامة لأهل تلاوته فيعلون درجات الجنة بقراءة آياته“.

كاتب صحفي