آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 9:41 ص

تأملات رمضانية 17

محمد أحمد التاروتي *

الأجواء الروحانية الطاغية في شهر رمضان، تتمظهر في الكثير من الممارسات العبادية، فالمظاهر الدينية تسود السلوك العام لدى الصائم، فتارة من خلال الحرص على أداء الفرائض الخمس في اوقاتها، وتارة أخرى من خلال تقديم المعونة للفقراء، وثالثة بالتحرك باتجاه الالتصاق الكبير مع القرآن، من خلال القراءة المتواصلة لاياته، والعمل على ختم كتاب الله مرة، وأحيانا مرتين، وطورا ثلاث مرة.

قراءة القرآن لا تقتصر على الثواب الجزيل، واكتساب الحسنات من وراء الالتصاق اليومي، بكتاب الله في أيام الصيام، ”من قرأ في شهر رمضان آيةً من كتاب الله عزّ وجلّ، كان كمن ختم القرآن في غيره من الشهور“ وانما يتجاوز تلك المفاهيم لدى البعض، فالقرآن الكريم يحوي الكثير من العلوم والمعارف، التي تنير طريق الانسان في الحياة، وفتح الافاق امامه في كافة الشؤون الدنيوية ﴿انَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ“ و”وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، وبالتالي فان علاقة الصائم مع القرآن، ستترك اثرا كبيرا على الاطار الشخصي، وكذلك في الجانب الاجتماعي، خصوصا وان السور القرآنية تحوي الكثير من التعاليم، وجملة من المعارف الدينية المختلفة، مما يساعد في إزالة الحجب عن القلوب، مما يمهد الطريق امام العودة الى الطريق الصحيح، والانسجام مع الفطرة السليمة، ﴿إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ .

الانفتاح الكامل على القرآن عملية أساسية لانتهال المعارف، والتزود بالعلوم المتعددة، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ ، فالسور القرآنية تتضمن من العلوم ما يتجاوز العقل البشري، مما يجعله قادرا على البقاء، ومواكبة المستجدات على الدوام، والتعاطي مع مختلف الجوانب الحياتية بلغة العصر، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، الامر الذي ينسف الكثير من الافتراءات، التي حاولت تأطير القرآن الكريم ضمن حدود ضيقة، انطلاقا من قراءات ومرتكزات فكرية اجتهادية، ليست قادرة على إعطاء الحلول المناسبة، لفك طلاسم الكثير من الإشكالات سواء على الصعيد الديني او الاجتماعي او النفسي او الاقتصادي، مما ساهم في اندثار تلك النظريات واختفائها، نتيجة عدم قدرتها على تقديم الحلول، ووقوعها في التخبط، الامر الذي ساهم في سقوطها بشكل نهائي.

الالتصاق الكامل بكتاب الله ينم عن معرفة عميقة، بالاثر الكبير لتلاوة الايات الكريمة، فالمسلم يجد في الاستمتاع على كتاب الله لذة خاصة، خصوصا وان الايات تحمل في طياتها الكثير من الحلاوة، فضلا عن فتح الافاق الكثير امام المسلم للتفكير، في تلك الايات بطريقة مختلفة، مما يساعد في الوصول الى المعارف المختلفة، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، وبالتالي فان الحصول على المعارف مرتبط بالقابلة لدى المسلم، فالعقول المتحجرة غير قادرة على الاغتراف من العلوم القرآنية، نظرا لوجود موانع حقيقية، فالعلة تكمن في القابلية بالدرجة الأساس، مما يستدعي التحرك لإزالة العقبات، للحصول على الفوائد القرآنية العميقة.

الاستقرار النفسي احدى الثمار الملموسة، لمداومة قراءة القرآن، فالمسلم الذي يحرص تلاوة كتاب الله يجد الاستقرار النفسي، خصوصا وانه يجلس امام كلام الله عز وجل، من خلال التنقل بين السور التي تحوي العبر، والمواعظ، والتعاليم المختلفة، الامر الذي ينعكس على الحالة الروحية، التي تقود الى الاستقرار الداخلي، لاسيما وان الصائم يتحرك لمطابقة التعاليم الإسلامية مع الممارسات الخارجية، الامر الذي يساعد في احداث حالة من الرضا الذاتي، وبالتالي الحصول على حالة من الاستقرار النفسي، جراء وجود تناغم بين الايمان الداخلي، والتطبيق الخارجي.

”أيها الصائم تقرب إلى الله بتلاوة كتابه في ليلك ونهارك قان كتاب الله شافع مشفع يوم القيامة لأهل تلاوته فيعلون درجات الجنة بقراءة آياته“.

كاتب صحفي