آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 9:41 ص

تأملات رمضانية 19

محمد أحمد التاروتي *

رحمة الله بعباده لا تحدها حدود، ولا يمكن حصرها، او تأطيرها باطار زماني او جغرافي، فالرحمة الإلهية تشمل العبد ”البر والفاجر“ على حد سواء، ”لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله «عز وجل» جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء“، فمن رحمة الله على عباده فتح باب التوبة للعودة الى طريق النجاة، وترك سبيل الضلال ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا .

شهر رمضان احدى ابواب رحمة الله على عباده، ففي هذا الشهر تتنزل البركات والخيرات على العباد، باعتباره من افضل الشهور، وهو الذي فرض فيه الصيام على المسلمين، ”اَللّهُمَّ رَبَّ شَهْرِ رَمَضانَ الَّذي اَنْزَلْتَ فيهِ الْقُرْآنَ، وَافْتَرَضْتَ على عِبادِكَ فيهِ الصِّيامَ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَارْزُقْني حَجَّ بَيْتِكَ الْحَرامِ في عامي هذا وَفي كُلِّ عام، وَاغْفِرْ لي تِلْكَ الذُّنُوبَ الْعِظامَ، فَاِنَّهُ لا يَغْفِرُها غَيْرُكَ يا رَحْمنُ يا عَلاّمُ“ فالصائم مطالب بالاجتهاد في العبادة، والحرص على أداء الفريضة بالشكل المطلوب، للفوز بالعتق من النيران، خصوصا وان رحمة الله تعالى تتجلى دخول الكثير من عباده، في جملة العتقاء من النار ”إن لله تبارك وتعالى عند فطر كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار لا يعلم عددهم إلا الله هو في علم الغيب عنده فإذا كان آخر ليلة منه أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه“.

باب رحمة الله الواسع يستوعب الجميع، فهو مفتوح لاستقبال التائبين والراغبين، في العودة الى طريق الصلاح، الامر الذي يستدعي تهيئة النفس لاستقبال الشهر الفضيل بالطريقة المثلى، لاسيما وان التغافل عن توفير الأجواء المناسبة، يحرم الصائم من قطف ثمار هذ الشهر، مما يجعله في جملة من المحرومين ”اللَّهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ وَاغْفِرْ لَنا تَقْصِيرَنا فِيْهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولا، وَلا تُؤاخِذْنا بِإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ المَرْحُومِينَ وَلا تَجْعَلْنا مِنَ المَحْرُومِينَ“، وبالتالي فان الحرص على أداء الواجبات، والاستفادة من الساعات الروحانية طيلة الشهر الفضيل، عملية أساسية لترجمة رحمة الله الواسعة على الواقع العملي، انطلاقا من مبدأ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .

الحرص على أداء الفرائض اليومية في اوقاتها، والعمل على أداء المستحبات الكثيرة المنصوص عليها، في أيام شهر رمضان المبارك، ترجمة عملية لتهيئة النفس بالطريقة السليمة، للدخول في باب الرحمة الإلهية، فالصائم يمتلك القدرة على تحديد مساره الاخروي، من خلال الالتزام بالكامل بالعبادات، والعمل على توظيف تلك الواجبات والمستحبات، بما يعود على ترويض النفس، والتذلل تجاه الخالق، مما يسهم في الجانب الايماني عبر الابتعاد عن المعاصي، والاقبال على الاعمال الصالحة بشغف كبير، باعتبارها استجابة للاوامر الإلهية أولا، ووسيلة للحصول على الرضوان والفوز بالجنان ثانيا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .

ليلة القدر تمثل فرصة ثمينة، لا تتكرر سوى مرة في السنة، فهي تمثل احدى تجليات رحمة الله على عباده، كونها خير من الف شهر، مما يحفز العباد على الاجتهاد بالعبادة في تلك الليلة، من اجل الفوز المغفرة والرضون ”وهو شهر فيه ليلة نزلت الملائكة فيها من السماء فتسلم على الصائمين والصائمات باذن ربهم إلى مطلع الفجر“.

”أيها الناس ان شموس شهر رمضان لتطلع على الصائمين والصائمات وان أقماره ليطلع عليهم بالرحمة وما من يوم وليلة من الشهر إلا والبر من الله تعالى يتناثر من السماء على هذه الأمة فمن ظفر من نثار الله بدرة كرم على الله يوم يلقاها وما كرم عبد على الله إلا جعل الجنة مثواه عباد الله إن شهركم ليس كالشهور أيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات“..

كاتب صحفي