آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 4:17 ص

ما عليك بأس يا مولانا علي

ليلة واحدة بقي فيها الإمام عليّ عليه السَّلام في وجعِ الدنيا وفي انتظار راحة الآخرة، الجرح غائرٌ كما حال جرح الأمَّة. جُمع له أطباء الكوفة؛ فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، وكان متطببًا صاحب كرسيّ يعالج الجراحات، نظر إلى جرحِ أمير المؤمنين فدعا برئة شاةٍ حارَّة واستخرجَ عرقًا منها، فأدخله في الجرحِ ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدِّماغ، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، أعهد عهدك؛ فإن عدوّ الله قد وصلت ضربته إلى أمِّ رأسك.

سواد ليلة وبياض فجر وبعده ينتهي هذا المللُ من الأمَّة ويسلم القيادةَ لابنه الإمام الحسن عليه السَّلام الذي لم يكن حظّه من الرَّاحة والسّكون وسهولة المهمَّة بأفضل من حالِ أبيه . ساعات أوصى فيها أهله وولده وأوصى الحسن والحسين بأجمل الوصايا وأخلدِها:

”أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للآخرة وكونا للظالمِ خصمًا وللمظلومِ عونًا، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدّكما ﷺ يقول: صلاح ذاتِ البين أفضل من عامّة الصَّلاة والصِّيام، الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا في حضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زالَ يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصَّلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتبادل، وإياكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم“.

بلغ السَّيد المولى مأمله بعد هذه الوصيَّة، فيوم غدٍ لا منبر ولا خطبة ولا مشي في الأسواق ولا جلسة في المسجد، ولا خطَّة حرب أو دفاع، ولا فضفضة للحُفر. غدًا تسهر أشجارُ وسواقي البساتين دونه، وتبقى النُخيلات ترتجي طلَّته ليُغشى عليه بينها طويلًا من خشية الله.

لكنه لن يأتي، فكلها شقشقةٌ هدرت ثم قرَّت. لماذا يعود ودنيانا لا تساوي في نظرهِ عفطةَ عنز يرتجيها ويطلبها؟!

مستشار أعلى هندسة بترول