آخر تحديث: 17 / 6 / 2021م - 9:07 ص

الا تعدلوا

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض الظلم والجور في مختلف المجالات، بحيث لا يقتصر على الجوانب الإنسانية وانما يشمل الاشكال الثقافية او السياسية او الاقتصادية، فالظلم بمختلف صنوفه واشكاله لا يختلف تماما، كونه يوقع الضرر على الأطراف الأخرى، الامر الذي يحدث اثرا سلبيا، سواء كانت معنويا او ماديا، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? وَاتَّقُوا اللَّه .

الاختلاف في التوجهات والتباين في المواقف الحياتية، ليس مدعاة لانتهاج سياسة الجور والظلم تجاه الأطراف الأخرى، خصوصا وان الاختلاف في القناعات من الطبائع البشرية، جراء التفاوت في النظرة تجاه مختلف القضايا الحياتية، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وبالتالي فان محاولة تحميل السواد الأعظم جريرة بعض الاختلافات الثقافية، او السياسية، او الاقتصادية، او الاجتماعية، تنم عن قصور في الرؤية، وانعدام في النظرة المستقبلية، لاسيما وان المواقف قابلة للتحولات الجذرية في المراحل القادمة، مما يقطع الطريق امام العودة، واجراء مراجعة سليمة لتلك المواقف السلبية.

الاضرار الناجمة عن الظلم والجور تجاه الأطراف الأخرى، ليست على نسق واحد او نتيجة واحدة، نظرا لتفاوت القدرات لدى الأطراف الأخرى، فالبعض يمتلك القدرة على امتصاص ردات الفعل سريعا، مما يخفف من الاثار السلبية لتلك المواقف الظالمة، فيما البعض الأخرى يفتقر للادوات، والاليات القادرة على تقليل الأثر السلبي، الامر الذي يظهر على اشكال مختلفة بعضها سريعا، والبعض الاخر مستقبلا، وبالتالي فان محاولة السيطرة على الأطراف الأخرى نتيجة تباين المواقف، ليس متاحا جراء انتهاح سياسات مختلفة، تجاه المواقف الظالمة، بمعنى اخر، فان التحرك لاجبار الأطراف الأخرى على تبني المواقف ذاتها، ليس واردا وينم عن توجهات ظالمة، لا تستقيم مع مبدأ حرية الاختيار، والقدرة على تحديد التوجهات، بعيدا عن الوصاية الخارجية، سواء نتيجة تقييم الأوضاع بطريقة خاصة، او بسبب احتساب الخسائر والأرباح، جراء تبني تلك القناعات على اختلافها.

القدرة على الاضرار بالاخرين عملية نسبية، وليست قدرا محتوما في الغالب، فامتلاك الوسائل الإعلامية، او الهيمنة السياسية، او الموارد الاقتصادية، والضغوط الاجتماعية، ليست مدعاة لاطلاق الايدي لفرض الوصاية على الاخرين، لاسيما وان التحولات السياسية، والتغييرات الاقتصادية، والظروف الاجتماعية، عملية محتملة على الدوام، مما يستدعي اتخاذ المواقف الحذرة، وعدم الانغماس كثيرا، في اتخاذ المواقف الظالمة، خصوصا وان ”العدل“ يشكل عاملا أساسيا، في الحفاظ على ”شعرة معاوية“، في تقييم العلاقات مع الاخرين، وبالتالي فان عملية اتخاذ المواقف على اختلافها بحاجة الى رؤية واضحة، لتفادي الدخول في مصادمات، او اتخاذ ”الظلم“ وسيلة لفرض الوصاية الاخر.

تفادي الظلم في المواقف، يترجم مجموعة القيم الأخلاقية، فالطرف الذي يحترم توجهات الاخر، ويتفادى الدخول في مصادمات، نتيجة التباين في الآراء، يحمل مبادئ أخلاقية قادرة على استيعاب الآراء الأخرى، انطلاقا من قناعات راسخة بضرورة التعاطي مع الآراء، بعيدا عن المواقف المتشنجة، مما يعزز الاحترام المتبادل، ويرسخ حالة الوئام الداخلي، ويقمع الأحقاد الاجتماعية، جراء وجود مبادئ أخلاقية حاكمة، في شبكة العلاقات الاجتماعية، نظرا لوجود ساحة قادرة على استيعاب الجميع، لاسيما وان التباين في الآراء يسهم في احداث التكامل العقلي، ويكشف عن وجود اجتهادات، فيما يتعلق بمختلف القضايا الاجتماعية، والازمات السياسية، والملفات الثقافية، والمشاكل الاقتصادية، وبالتالي فان الظلم بمختلف اشكاله يقضي على الظواهر الصحية، المتعلقة بتعدد وجهات النظر، وينسف التكامل الإنساني في كافة الازمات.

يبقى العدل ميزان حاكم في مختلف القضايا، فهو قادر على استيعاب الجميع، باعتباره الفصيل في جميع الأمور، من خلال إعطاء كل ذي حق حقه، مما يعني عدم استخدام القناعات الخاصة، سبيلا لممارسة الجور والظلم على الاخر، وبالتالي فان التحرك وفق ميزان العدالة، يسهم في الحفاظ على التوازن الاجتماعي، ويقضي على الامراض الاجتماعية على اختلافها.

كاتب صحفي