آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 2:05 م

نظام.. مهوى الجائعين

أثير السادة *

في يوميات الصبا، كان يكفي أن تقبض على ريال أو ريالين في يدك لتحظى بوجبتك الخاصة، كان البوفيات الصغيرة تبيع الساندويتشات بسعر زهيد، غير أنها ساندويتشات مليئة بألوان الطعم، جبن سائح مالح وجام يتباهى بحلاوته، وبيض تشرب صفاره بحمرة الشطة التي لا يطيب إلا بها، وفلافل تغطس بالزيت حتى تلون بلون الذهب، تلك المعدة الصغيرة لن تتورط ساعة البحث عن ماتلتهم، لتكمل بعدها شوطا آخر من أشواط اللعب في البراحات.

وفي حينا الصغير، عرفت أول ما عرفت بوفية حسنين، بجوار مدرسة الأندلس الابتدائية يوم انتقلنا إلى بيت المرحوم رضي من سالم، أمضينا سنة ونصف السنة في المبنى الحكومي قبل أن يصنف كمبنى آيل للسقوط وتحويلنا إلى هذا البيت المستأجر، شاءت الأقدار أن ندرس في المساء سنوات متتالية، كانت والدتي تستعجل وجبة الغذاء يومها لأظفر بشيء منها قبل موعد أذان الظهر، فيما أنا أفكر في المصروف المدرسي وما سأذخره لاحقا لزيارة بوفية حسنين المصري، البوفية التي لا أتذكر إسمها اليوم، لكنها ستلتصق بإسم العامل فيها.

بعدها أصبحنا في رفقة ”نظام“، البوفية الصغيرة الواقعة في بيت العامر، خلف منزل جدي، نبحث عنده عن ساندويتش الفلافل المغطس بالطحينة، وغرشة ”كولا“ الكعكي في التماع رذاذ الماء على زجاجتها الباردة، لا تسع البوفية الكثير من الزبائن، لكنها وسعت القطيف بمدنها وقراها آنذاك.. كان المساء منذورا لتلك الزيارات البعيدة، ولأننا نملك القدرة على الفرز حتى في أوان الصبا، كنا نعرف أهل القطيف وقراها من سيماهم، لهجاتهم، وسياراتهم التي يضج بها ذلك الشارع الضيق من الحي.

بيت العم سيد أحمد كان مجاورا هو الآخر لهذه البوفيه، وكان بمثابة الديوانية لصبية الحي كما هو اليوم، تجتمع فيه مختلف الأعمار، والمشارب والأذواق، لذلك كان المشي إلى ”نظام“ هو الخيار في لحظات الجوع، كثر من الذين نضجوا اليوم وأصبحوا آباء رضعوا من ذاك الفلافل الذي يحضره نظام، ونظام هو عامل هندي احتفظ بسر خلطته طيلة السنوات الطوال التي أمضاها في حي الخصاب.. كان مشهدا مألوفا أن ترى الأطفال يقصدونه في الصباح والمساء، بمثل ما يقصده الشباب، ينتظر كل واحد منهم حصته من هذه الوجبة الثقيلة في محتواها والخفيفة في سعرها.

وكأي حالة نجاح، لاحقت الإشاعات هذه البوفية، قيل بأن ”نظام“ يصنع كذا، ويضع كذا، وأنه تحرش بهذا، وأساء لذاك، بيد أن البوفية حافظت على حضورها، وحافظ نظام على زبائنه حتى مع طوفان البوفيات والمطاعم الكبير الذي أصاب المنطقة.. قيل أنه خرج بصمت ثم عاد، جرب حظه في مكان آخر، في الوقت الذي نشأ جيل جديد لا مكان له في ذاكرته.. وقد تفاجأت بالأمس بنعيه من أهل القطيف، حيث قضى سنواته الأخيرة بجوارهم، بجوار الزبائن الذين كانوا يحجون إليه في مطلع التسعينيات.

رحمه الله.