آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 3:12 م

بر الوالدين.. إشعاعات رحمانية

زكريا أبو سرير

مرت علينا قبل أيام قليلة مناسبة جميلة وسعيدة على قلوبنا وهي ”اليوم العالمي للوالدين“ المصادف للأول من يونيو من كل عام، وهو اليوم الذي عيَّنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 تثمينًا عاليًّا لتفانيهما في التزامهما بأبنائهما والتضحيات التي يقدمانها مدى الحياة نحو تعزيز هذه العلاقة الإنسانية الرائعة، إذ يمثل هذا اليوم مناسبة يُكرَّم بها الوالدان سواء أكانا حيين أم ميتين، نظير جهودهما التي بذلاها من أجل أبنائهم، وهو جهد لا يقدر بثمن، والتقديرات الحياتية التي يتنافس عليها الآخرون ليلَ نهار، أو من هم يتقاتلون عليها لأجل الحصول ولو بشيء يسير من تلك الأثمان أو التقديرات الزائفة، كما أن الإسلام قبل ألف وأربع مئة عام قد عزز هذه العلاقة الإنسانية المقدسة ووضعها في درجة كمال العبودية لله سبحانه وتعالى.

الوالدان حظيا بمكانة رفيعة ومرتبة عالية عند الله سبحانه، بل وعزَّز هذه العلاقة هو بنفسه حين قال «جَلَّ شَأنُهُ»: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَولًا كَرِيمًا الإسراء: 23.

تُبيِّن لنا هذه الآية الكريمة كيف أن الله سبحانه وتعالى قرن عبادته مباشرة بالإحسان للوالدين، وكأن مفهوم العبودية عند الخالق «سبحانه» لا تكون عبادة خالصة وكاملة إلا عندما تكون مقرونة برضا الوالدين والإحسان إليهما، وإلا تعتبر عبودية ناقصة لا تمثل الأمر الذي قضي به ربنا في كيفية العبادة الذي يبتغيها منا.

ومع تتبع مراحل الحياة العمرية للوالدين ينبغي أن يكون البر بهما أعمق وأعمق لكي يتحقق معنى العبودية الخالصة لله «سبحانه وتعالى»، إلى درجة النهي عن القول لهما ”أُفٍّ“، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق : ”لو علم الله لفظة أوجز من ترك عقوق الوالدين من أُفٍّ لأتى بها“.

وهنا أود الإشارة إلى فقرة مهمة من هذه الآية المباركة ”إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا“، هذه الفقرة من الآية الكريمة تشير إلى جانب مهم من حياة الإنسان، وهي المرحلة الحياتية الأخيرة والحرجة من عمره وهي مرحلة الهرم، إذ إن هذه المرحلة تكون حرجة ليست من جانب معين، بل تشمل كل الجوانب الإنسانية، وأهمها العامل النفسي، وفيها يصبح الإنسان في غاية الضعف: ضعف في الجسد وفي البصر وفي السمع، بل ضعف حتى في الاعتماد على نفسه، وهذا مما يسبب لهما سرعة الانفعال لأقل الأسباب التي لا يتوقعها أحد منا، لأن هذا الوضع يشعرهم بالذلة بعدما كانوا أعزة في أنفسهم وبين عشيرتهم؛ لهذا يحذرنا ربنا حتى من القول لهما ”أف“، وهي كلمة من حرفين/ صوتين خفيفين يسهل نطقهما من أي أحد حتى من حديثي السن، إلا أنها تعدُّ عند الله عقوقًا، لهذا يحذر ربنا من قولها لهما، بل يعاقب من يلفظها أمامهما ويعتبره نوعًا من أنواع العقوق لهما يُحاسَب عليه الأبناء، لأنه ولو بهذا المقدار من القول سوف يسبب لهما أذى نفسي.

كما أن الله سبحانه يريد منا أن نعي حقيقة مهمة في عملية وجودنا لهذه الحياة بعد إرادته وقدرته وهو دور الوالدين، فهما السبب في وجودنا، وكل نعمة بين أيدينا أنعمها الله علينا بعد فضله ورحمته هي كذلك من فضل الوالدين مباشرة، وهذا ما يفهم عبر سياق الآية الكريمة، إذ ربط ربنا أهم غاية يريدها منا وهي العبودية له، ولا تكون هذه العبودية مكتملة إلا بالإحسان للوالدين وهي تعتبر كمال العبودية له سبحانه وتعالى، حيث تشكل العبادة أكبر نعمة أنعمها الله على عباده.

وهذا الربط الإلهي يفهم منه ومن دون أي تأويل أو تفسير آخر قد يخالف السياق القرآني، بأن الله لا يقبل أن يعبد من حيث يُعصى، إذ لا أحد يدعي أنه عابد وزاهد وقائم ليله ونهاره ومتصدق وحاج وزائر وهو عاقٌّ لوالديه ولو بكلمة ”أف“ أجارنا الله وإياكم من ذلك، فالعبودية الخالصة لله هي مرتبطة بالرضا القلبي من قبل الوالدين، كما أن الإحسان لهما لا يتوقف عند رحيلهم إلى الرفيق الأعلى بل يبقى مستمرًا حتى بعد الرحيل، وهذا دليل لعدم قدرتنا للوفاء لهما سواء أكانوا أحياءً أم أمواتًا، وقد ورد في السنة الشريفة، أن من موارد استجابة الدعاء عند قبر الوالدين، ما يشكل مكانتهما العالية عند الله حتى بعد وفاتهما.

وهذا يكشف لنا أمر آخر ومهم للغاية وهي أن المنزلة والمكانة الربانية الذي حظي بها الوالدان عند الله عالية جدًّا حتى بعد رحيلهم من الدنيا، حيث كونت علاقة مباشرة بين السماء والأرض من دون أي وسيط لا من ملك مقرب ولا من نبي مرسل وبدون انقطاع، وهنا تتشكل الخطورة العظمة عند عقوقهما «لا سمح الله» حيث يهبط العقاب مباشرة على الأبناء العاقين لوالديهم وإن كانوا تحت التراب، كما أن الثواب والأجر واستجابة الدعاء في حال إرضائهما يصعد من الأرض إلى السماء من دون وسيط، والاستجابة سريعة من قبل الله سبحانه وتعالى، وكأنها عملية تبادلية في ردة الفعل، وهنا ينبغي بل الواجب على الأبناء أن يحرصوا على رضا الوالدين؛ لأن رضا الله لا يكون إلا بعد رضا الوالدين.