آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 3:47 م

العمل التطوعي يهدي إلى محبة الآخرين.. عباس الشماسي مثالًا

زكريا أبو سرير

الأعمال التطوعية هي الجهد والعناء الذي يبذله الإنسان، سواء أكان في المال أو الفكر أو الجسد أو الوقت، من دون أي مقابل مادي أو معنوي رغبةً وحبًّا وعشقًا في خدمة الفرد والمجتمع والوطن، وهذه الميزة الإنسانية تعد أرقى وأعلى الدرجات الإنسانية، لهذا تجد أصحابها قليلين بل نادرين في أوساط مجتمعاتهم، وإن وجدوا أصبحوا القِبلة التي يتوجه إليها المجتمع حين حاجته إليها، ويعدُّهم المجتمع الظَّهر الذي يستندون إليه حين الأزمات، لهذا كل مجتمع يمتلك وعيًّا جمعيًّا ورؤية مستقبلية يحرص على تربية جيل يحمل ثقافة تطوعية في كل المجالات والاختصاصات العلمية والفنية التي تخدم الإنسانية والمجتمعية والوطنية.

ومن منطلق هذا المفهوم المبسط للعمل الخيري والتطوعي، كان للإسلام اهتمام بالغ في الترغيب إليه وإشاعة ثقافته في وسط المجتمع الإسلامي، وهناك كثير من الآيات والأحاديث التي أشارت وشجعت الناس للعمل التطوعي، وزرعت بذرة العطاء فيهم، لهذا نجد أن الحكومات والمجتمعات الواعية ترصد ميزانيات ضخمة لأجل تثقيف مجتمعاتها نحو ثقافة التطوع منذ نعومة أظافرهم، لكي يُنشِئوا مجتمعًا إنسانيًّا محبًّا ومتعاونًا يبذل كل ما بوسعه لخدمة مجتمعه والإنسانية عامة، وبهذا العمل والتفكير الصائب يكون المجتمع قد صنع له سندًا ومعينًا يستعين به ويعتمد عليه في أي وقت ولأجل أي غرض، فضلًا عن أن ثقافة التطوع إذا انبثقت في روح المجتمع وفَّرت على ميزانية الدولة كثيرًا من المال والجهد والعناء؛ لأنها استطاعت صناعة البديل لمجتمعاتها في تقديم أرقى الخدمات الإنسانية والمجتمعية، وبأيدي وطنية من قلب الوطن نفسه.

ذلك أن أبناء المجتمع قد أصبحوا متسلحين بثقافة الاعتماد على النفس، وكذلك أصبحوا حريصين على تقديم أفضل ما لديهم لمجتمعهم، بكل ما يملكون من جهد في المال والنفس والفكر والوقت، وهم بذلك قد عدُّوا أنفسهم مسؤولين عن إصلاح ما يرون دون انتظار الطلب من الآخر للقيام بذلك، فهم يستشعرون روح المسؤولية على عاتقهم، كما أن العمل التطوعي يشعرهم بالسعادة.

كل الدراسات والأبحاث النفسية والاجتماعية المقدمة على منصات مراكز الأبحاث العلمية، عن طريق السوشل ميديا وغيرها، تكشف نتائج مهمة بما يخص من هم يعملون في مجال العمل التطوعي. تؤكد تلك الدراسات على أن من يعمل في الحقل العمل التطوعي يكون أقل الناس عرضة للأمراض النفسية، وهم أكثر الناس شعورًا بالسعادة، وأقل الناس معاناةً من المشاكل الأسرية والمجتمعية، وأكثر الناس تنظيمًا لأمورهم الحياتية وأقربهم للقلوب.

ومن ضمن أهم النتائج الذي ركزت عليها هذه الأبحاث والدراسات العلمية بالرغم من أن كل النتائج التي حصلوا عليها كانت مهمة، إلا أن هناك نتيجة أبهرت الباحثين، وهي المودة والمحبة القلبية للمتطوعين من قِبَل من يعرفهم ومن لم يعرفهم، علمًا أن هذه الدارسات قد أُخذت من أناس مختلفة مشاربهم وثقافاتهم وأجناسهم وديانتهم، حيث أكدت نتائج هذه الدراسات والأبحاث على مودة ومحبة واحترام مقدمي الخدمات الخيرية التطوعية للمجتمع والناس، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو الفكرية أو الثقافية، بل أظهرت بعض هذه الدراسات تأثر قسم من هؤلاء الناس بتخليهم عن عقائدهم وديانتهم وانتمائهم مع هؤلاء المتطوعين في العقيدة والدين، علمًا أن ما يعرف عنه في علم ”غسل الأدمغة“ أن من أصعب الأمور على الإنسان هو تخليه عن دينه وعقيدته أو ترك ما كان يعتقد به باعتباره إرثًا ثقافيًّا ودينيًّا، ورثه من الآباء والأجداد والمجتمع الذي نشأ وترعرع فيه منذ نعومة أظافره.

المرحوم مهندس العمل التطوعي ورائد الإبداع والفن الفكري والشخصية المحبوبة عباس الشماسي «رحمه الله»، قد ظفر بمحبة الناس.. المرحوم السعيد أبو فاضل لم يكن يعرف كل أبناء مجتمعه، ولكنه استطاع أن يخدم كل أبناء المجتمع، فكانت النتيجة أنه سعد برضا ومحبة الجميع عليه سواء القريب منهم أو البعيد، الصغير قبل الكبير.

لقد استطاع هذا البطل بعد توفيق الله له أن يسخِّر جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة الناس والمجتمع، وقد تربو هذه الخدمة على أكثر من ثلاثين عامًا، كان فيها طوعًا لدينه ومجتمعه ووطنه، من دون أي كلل أو ملل، وهذا ما أكده كل من عمل بجانبه طوال هذه الفترة، بل أشيع عنه أن كل من عمل معه في هذا المجال التطوعي وبمختلف جوانب العمل رأى فيه سمات القائد المخلص والمجد في تنظيم فريقه وإتمام عمله بأحسن صورة عبر أفكاره الإبداعية والتنويرية.

إذًا، وبعد هذا الانفجار العاطفي المجتمعي الذي حصل من أبناء المجتمع القطيفي سواء على الصعيد الأرضي أو الفضائي نتيجة لحظة إذاعة الخبر المفجع برحيل وفقد رمز ورائد وأيقونة العمل التطوعي ابن القطيف والوطن عباس الشماسي، أليس حريًا بنا أن نقف لحظة تأمل وتفكر على هذا الحدث الإنساني الرهيب، ألم يكن كلنا كان يتمنى تلك الحظة أن يكون هو عباس الشماسي، وهذه الخاتمة الطيبة لهذا الرجل السعيد، بالطبع هي أمنية يتمناها كل الأخيار والأوفياء والمخلصين من أبناء المجتمع، هنيئًا لك هذه الخاتمة الحسنة والسعيدة يا أبا فاضل، فقد أحزنتَ كل أبناء مجتمعك من يعرفك ومن لم يعرفك.

وورد في السنة الطاهرة ”من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق“، ونحن بدورنا نتوجه لك أيها المواطن المخلص وابن القطيف الوفي بالشكر الجزيل والتقدير العالي على كل ما بذلته وعملت من أجله، في خدمة وطنك ومجتمعك ودينك، فهو مدخور لك عند ربك وربنا، وإن شاء الله يكون لك شفيعًا عند مليك مقتدر، وكذلك سوف تكون خالدًا في ذاكرة المجتمع القطيفي.

ورد عن الإمام جعفر الصادق قال: ”إن للجنة بابًا يُقال له المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف“.

وفي ختام هذا المقال أقترح على أبناء المجتمع القطيفي الكرام أن يكون الثاني من يونيه من كل عام ذكرى خالدة لهذا الرجل العظيم، تحيا فيه ذكراه الطيبة وسيرته العطرة، وتذكير للمجتمع بمفاهيم العمل التطوعي وأهميته عبر هذا الرمز والرائد، بما يشكله من مدرسة وقدوة حسنة ونبراس في العمل التطوعي وعلى كل صعيد، سواء كان الصعيد الفكري أو المهني أو الميداني...، رحمك الله يا أبا فاضل، والفاتحة المباركة على روحك الطاهرة.