آخر تحديث: 21 / 1 / 2022م - 1:23 م

ما المقاييس الجديدة للنجاح؟

فاضل العماني * صحيفة الرياض

لعقود طويلة، كانت القيمة والجودة والإنجاز والإبداع والشغف والالتزام والمسؤولية والمثابرة والرؤية وغيرها من القيم والمعاني والمضامين الإيجابية هي من تؤسس للمعايير والمقاييس والترمومترات الحقيقية للنجاح والتفوق والتميز. تلك كانت معايير ومقاييس النجاح والشهرة التي صنعتها وتوافقت عليها الشعوب والمجتمعات والتي ساهمت في نهضة وتنمية العالم.

يبدو أن تلك الحالة/الصورة لم تعد هي من تؤطر حقيقة النجاح الذي يبحث عنه البشر، خاصة الأجيال الصغيرة والشابة المهووسة بالتميز والأضواء والشهرة. منذ سنوات، أنتجت العقول البشرية الحديثة منظومة جديدة لمفاهيم ومعايير النجاح والتفوق تتناسب وتتناغم مع طبيعة وظروف المرحلة الراهنة من عمر العالم. نعم، مازالت الكثير من قيم ومقاييس النجاح الكلاسيكية متواجدة وصامدة ولكن بخجل وتراجع أمام طغيان وعنفوان تسونامي هائل من القيم والمقاييس الجديدة التي أصبحت هي من تفرز وتحكم واقع ومستوى النجاح، سواء للأشخاص أو للأشياء.

لقد تحوّل المشهد الإنساني إلى ما يُشبه البازار الكبير الذي تُعرض وتُسوّق فيها الكثير من السلع والمحتوى لواقع وحقيقة النجاح الذي تعيشه الشعوب والمجتمعات. تغيرت الأفكار والمفاهيم والأهداف، وتبدلت الأسس والمقاييس والمعايير، وطفت على سطح الواقع حزمة جديدة ومثيرة من الأفكار والمعايير والأهداف التي تُشكّل وتُحدد وتمنح النجاح والتفوق والتميز.

الكثير من المفاهيم والمقاييس الجديدة للنجاح والشهرة، هي من تُسيطر وتُهيمن الآن على فكر ومزاج البشر، وهي من تُفرز وتُقرر النتائج والمستويات. الفن والثقافة والأدب والإعلام والدراما والمسرح والغناء والرياضة والترفيه والكثير من المجالات والفضاءات، أصيبت بداء التفاهة والبلاهة والحماقة، وأصبحت بكل أسف هي الأسس والمعايير والمقاييس التي تمنح النجاح والتفوق والتميز والقيمة والمكانة والشهرة والأضواء.

ومواقع التواصل الاجتماعي بوسائطها وتطبيقاتها ومنصاتها خير شاهد على سيطرة ثقافة التفاهة والابتذال والاستهلاك على فكر ومزاج وسلوك المجتمعات بأفرادها ومكوناتها وتعبيراتها. ما يحدث من زيف وخداع وتفاهة في اليوتيوب والفيس بوك والواتساب وتويتر وسناب شات وإنستغرام، وهي المنصات الأشهر والأكثر استخداماً في العالم، يؤكد بأن معايير ومقاييس وتأثيرات النجاح والمكانة والشهرة أصبحت سلعة تسويقية واستهلاكية وزائفة نجح فيها بامتياز الكثير من المشاهير والحمقى والتافهين الذين يملكون أرقاماً فلكية من المتابعين والأموال والنسب.

يبدو أن المحتوى الجيد أو الإبداع الحقيقي أو التجربة الثرية، ليست هي من تُحدد نجاح وقيمة وتأثير الأشخاص أو الأشياء، ولكن بكل أسف أصبح المحتوى التافه والسلوك الرخيص والفكر الشاذ هو من يُحقق النجاح والأضواء والشهرة.