آخر تحديث: 3 / 8 / 2021م - 12:59 ص

أسامة عبدالرحمن عثمان.. حياة بين الشعر والفكر والإدارة

جهينة الإخبارية

«ما بيني وبين غازي القصيبي.. اختلافات وجهات نظر وليست خلافات»

«كتبي عن البيروقراطية لم تجد الاهتمام الكافي بها»

«عملية التنمية حاولت أن تلامس الجانب الثقافي، لكنها لامسته بشكل خجول وعلى استحياء»

«حلقات المسجد النبوي كانت بمثابة مدرسة داخل المسجد، وكان الناس يقبلون على تلك الحلقات بشغف»

بطاقة شخصية للضيف

• الاسم: أسامة عبدالرحمن عثمان

• تاريخ ومكان الميلاد: 1943م  المدينة المنورة

• المؤهل: دكتوراه في الإدارة العامة

• الوظيفة: عميد كلية العلوم الإدارية الأسبق في جامعة الملك سعود

مقدمة

يعدّ الشاعر والمفكر والباحث والإداري، أسامة عبدالرحمن عثمان، قامة علمية ووطنية فذّة، عبر على الساحة دون أن يسوّق لنفسه، فهو لم يبحث عن الشهرة، بل كان دائم النأي عن الإعلام، ولكنه  بالرغم من ذلك  فقد ظل عَلَمًا معروفًا بين زملائه وطلابه ومحبيه داخل وخارج الوطن، في هذه الحلقة من حلقات برنامج «هكذا تكلموا» مع الزميل، الكاتب والإعلامي محمد رضا نصرالله، التي بُثت عام 2007م، قدّم الدكتور أسامة عبدالرحمن عثمان بعضًا من سيرته ومسيرته، كاشفًا لنا عن بعض معاركه الأدبية في رحلته الطويلة والعامرة بالعلم والعمل الأكاديمي.

النشأة في المدينة

- دكتور أسامة؛ نشرت في مقتبل عمرك بعضًا من أعمالك الشعرية على صفحات جريدة البلاد السعودية، حيث كنت لا تزال طالبًا على مقاعد الدراسة، هل يمكن أن ننطلق من هنا للحديث عن ظروف النشأة في المدينة المنورة، ومن المعروف أن والدكم، السيد عبدالرحمن عثمان، كان معلمًا وتخرج على يديه كوكبة من الإداريين والأكاديميين، نريد وقفة هنا لكي يلتئم الحديث عن الذات بالموضوع الاجتماعي والثقافي.

- أنا وُلِدت عام 1362 هـ ، وقد بدأت نشر قصائدي في جريدة البلاد السعودية منذ أن كنت في عمر الثالثة عشرة، ولا أتصور أن هذا كان جهدي منفردًا، فلوالدي بالتأكيد بعض اللمسات على ذلك.

إذن أنت وُلدت وفي فمك ملعقة من شعر؟

ليس بالضرورة، لكن ربما لعبت الصدفة دورًا، ثم حرص الوالد بالدرجة الأولى على التركيز على مسألتين؛ الأولى هي حفظ القرآن الكريم، فخلال دراستي بالمدرسة الابتدائية حفظت القرآن، وكان هذا أمرًا مألوفًا إلى حد كبير في المدينة المنورة حيث يتم تحفيظ القرآن للأطفال وهم في سن مبكرة، ومن بين العادات الحميدة في المدينة قديمًا في شهر رمضان، أنه بعد انتهاء الإمام من صلاة التراويح كانت تُقام صلاة تراويح أخرى خاصة بالصغار، وذلك لمراجعة وتأكيد حفظهم للقرآن الكريم، وهذه كانت من العادات المحمودة.

المسألة الثانية هي تحفيظي للشعر منذ وجودي في المدرسة الابتدائية، وكان والدي بعد صلاتنا للفجر معه، نقرأ جزءًا من القرآن الكريم، ثم يسألني في الشعر، وقد حفظني المعلقات بالتدريج وكان يسألني فيها من وقتٍ لآخر، وكان في المتناول دواوين الشعر القديم، وهذه كانت لدى خالي محمد الحافظ أكثر من والدي، مثل دواوين جرير والفرزدق وأبي تمام والمتنبي والأخطل إلى دواوين شوقي وحافظ في تلك الفترة.

هل كان للخال محمد الحافظ موسى دورًا في هذه التنشئة الدينية واللغوية والأدبية؟

نعم، له دور، ولكن دور الوالد كان أكبر، لأن الوالد كان متشددًا في الكثير من الأمور، أما خالي فكان يميل إلى اللين، وكانت مكتبة خالي ذاخرة بالكتب الدينية المختلفة، وقد كتب في الفقه والشرعية والعقيدة.

مجتمع المدينة المنورة

- هذه صورة مصغرة للنشأة في المدينة المنورة، التي تحظى بموقع روحي متميز، ففيها قبر النبي ﷺ، وهي مهوى أفئدة المسلمين من كل فجٍ عميق يأتون لزيارتها، نريد الآن حديثًا عن الأخلاط الثقافية الموجودة فيها، بحكم أيضا التركيبة الاجتماعية للمدينة المنورة.

- بالنسبة لمجتمع المدينة المنورة الذي عهدته عندما كنت صغيرًا فإنه مجتمع محبب إلى النفوس، إذ كان مجتمعًا تأتلف فيه النفوس والأطياف على قاعدة واسعة من التسامح في كافة الاتجاهات والمذاهب، ففيها جماعات وافدة من مختلف البلدان والجنسيات وقد أقامت فيها ونزلوا إلى مجتمع العمل والتعليم فيها، هذا بخلاف من يأتون إليها خلال موسم الحج، وبحكم أن الشيء بالشيء يُذكر.. فقد كان خالي لديه ما يختلف به ويتميز به عن باقي مجتمع المدينة بأنه كان يحاول الاطلاع على مختلف الأطياف الثقافية في بلدان عربية شتى، فقد كانت تصل إليه جريدة البصائر من الجزائر، والتي كنت أتصفحها من عنده، كما كان يسأل عن كتب القانون ويطلب ممن يسافرون أن يحضروا له تلك الكتب، كما كان يحاول أن يفهم في شتى المذاهب.

وكان مجتمع المدينة متسامح بشكل كبير، ولا توجد تفرقة بين شيعي أو سنّي، ولم يكن يرد إلى الخاطر بأن هناك شيء من الحقد أو البغضاء أو الكراهية بين الناس بعضهم البعض، وأنا أتذكر أنه في وقت من الأوقات كانت الأخبار تصل ببطء شديد جدًا، وعند وفاة الملك عبدالعزيز «رحمه الله» وصل الخبر إلى خالي، الذي كلّفني بأن أوصّل الخبر إلى صهره، وكان عليّ أن أشق منطقة النَخَاولَة، وفي الحقيقة وجدت الناس ألوفين ومتسامحين للغاية.

حلقات المسجد النبوي

هل الحلقات التي كانت تعقد في كل يوم بالمسجد النبوي الشريف، مع علماء المسلمين من كافة المذاهب، لها دور في هذه التعددية الثقافية؟

كانت الحلقات في المسجد النبوي كثيرة ومتعددة وقد تختلف الآراء التي تُطرح في كل حلقة، وأنا أحيانا كان يستوقفني أن أقف عند حلقة من الحلقات فأسمع شيئًا منها، ثم أنتقل إلى حلقة أخرى فأسمع شيئًا آخر، وكانت الحلقات متنوعة وتدور حول أمور كثيرة مثل المذاهب الإسلامية أو اللغة العربية، فقد كانت بمثابة مدرسة داخل المسجد، وقد كان الناس يقبلون على تلك الحلقات بشغف.

مدرسة العلوم الشرعية

وكذلك أيضا نجد أن الوالد قد أرسل على لسان أحد طلبته والذي كان يتيمًا، قصيدة للملك سعود، لكي يستحثه على الالتفات إلى الأيتام، هل تحدثنا عن ذلك؟

نعم، الشيخ محمد عبيد كردي، فقد كان يقضي بعض الوقت في مدرسة أيتام والتي كانت فريدة من نوعها، وكان يديرها شخص فاضل اسمه حسني العلي، وهو والد عزت العلي الذي كان مديرًا للبنك الزراعي، وكان والدي يذهب في المساء بعد المغرب للقاء هناك.

أيضا، والدك قام بالتدريس في مدرسة العلوم الشرعية، فكيف كان وضع هذه المدرسة؟، هل كانت مقدمة للدراسة في المجالات التنظيمية والقانونية؟

مدرسة العلوم الشرعية كانت مدرسة فريدة، وكان بها قسم عالي للدراسات الدينية وربما هذا هو سبب إضفاء اسم العلوم الشرعية على المدرسة، ولكنها كانت تدرس ما يُدرس في الابتدائي عموما كالرياضيات وكل المقررات الأخرى، ولحسن الحظ أنني عندما التحقت بهذه المدرسة، كان والدي وخالي من مدرسي هذه المدرسة، وكان والدي «رحمه الله» يميل إلى الشدة في التعامل معي داخلها على عكس خالي الذي كان يميل إلى اللين، فكان والدي  على سبيل المثال  يسأل سؤالًا، وقد لا يجيب عليه أحد، لكنها كان يعتبر هذا أمرًا كبيرًا إن لم أجب، عملًا ببيت شعر للمتنبي يقول فيه ”وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً.. كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ“.

إلى الجامعة

في نهاية الخمسينات الميلادية من القرن المنصرم، ذهبت إلى الرياض، حيث كانت الجامعة الوليدة قد مرَّ على إنشائها سنتان، وكان مديرها هو عبدالوهاب عزام، ذلك الأكاديمي المصري والباحث المعروف، في ذلك الوقت أيضا كان الشيخ ناصر المنقور بشكل أو بآخر يتولى إدارة هذه الجامعة، بحكم أنه أحد أساطين وزارة المعارف في عهد وزيرها الملك فهد آنذاك، نريد حديثًا حول هذه الفترة، كيف كانت الدراسة في هذه الجامعة الوليدة؟، وكيف كان مجتمع الرياض؟، ومن هم أصدقاؤك الذين ارتبطت بهم وقتذاك؟، وكيف كان الوعي العام حينها؟

عندما جئت إلى الرياض، كنت ضمن أول دفعة تلتحق بكلية التجارة وذلك بعد إنشاء كلية الآداب ثم كلية العلوم، وأذكر أن الأستاذ ناصر المنقور كان مشرفًا على الجامعة في إحدى الفترات، وأعتقد أنه قام بدور رائد في استقطاب عدد كبير من نخبة الأساتذة في العالم العربي، لوضع منهجية كلية التجارة، وممن استقطبهم كان الدكتور مصطفى السعيد، مدير جامعة القاهرة، والدكتور عبدالعزيز السيد، مدير جامعة الإسكندرية، والدكتور سليمان حزين، بالإضافة إلى الدكتور قسطنطين زريق، وكان الوضع حينها بعيد عن الإسلام السياسي، لذلك لم تكن هناك مشكلة في تدريس موضوعات مثل التأمين أو القانون، ولم تثر ثائرة أحد حول هذه المواضيع، حيث كان هناك شيء من الانفتاح العفوي الذي لا تحكمه أطر، وقد انعكس هذا على الصحافة أيضًا.

وفي كلية الآداب نذكر وجود محمود الصياد وأحمد الحوفي ومصطفى السقا وغيرهم، وكانت تربطني بهم جميعا صلة بالرغم من وجودي في كلية التجارة، لكنهم كانوا قد اطلعوا على بعض قصائدي، وكان بعضهم يشجعني، وكنت حينها قد نشرت بعض القصائد في جريدة القصيم، وقد كانت الجامعة وقتها بمثابة مدرسة، لا أقصد من الناحية التعليمية فقط وإنما من ناحية الوضع الاجتماعي أيضا، فالذين وفدوا إلى الجامعة كانوا من مدن شتى من المملكة، وكان العدد صغير ومعظمهم يسكنون في مسكن واحد، فكان ابن الجنوب يتآلف مع ابن الشمال، وابن المنطقة الشرقية يتآلف مع أبناء المنطقة الغربية، فكانت بمثابة بوتقة للتآلف، وكانت الجامعة غنية بالحوارات والندوات والنقاشات، ومن الأسماء التي كانت معنا آنذاك: محمد عبده يماني، صالح كامل، ومجموعة كبيرة من الأسماء البارزة الآن.

في أمريكا

انتقلت بعد ذلك للدراسة في جامعة مينيسوتا، ثم الجامعة الأمريكية في واشنطن، نريد هنا وقفة خاصةً وأنك قد ذهبت إليها في أعقاب مصرع الرئيس الأمريكي جون كينيدي ،كيف كان الجو السياسي العام في الولايات المتحدة حينها؟، وكيف كان الجو العربي هناك في بداية تشكله؟، هل كان متأثرًا بما يجري في القاهرة والرياض وبغداد؟

فيما يخص الوضع العربي المرتبط بالجاليات العربية في الولايات المتحدة؛ فأنا لم يكن لي بها صلة مباشرة إلا في مناسبات معينة، لكن فيما يخص الانقسامات في الوطن العربي فكانت تلقي بظلالها على اتحادات وتجمعات الطلاب العرب في أمريكا بلا شك، وقد عانيت من غليان هذه التيارات المختلفة، وللأسف فإن بعض هذه التيارات كانت صدامية، وكانت بعض الجهات تجند وتستغل هذا الغليان.

وأنا حضرت وشاركت في بعض الانشطة والفعاليات حينها كمراقب للتعرف على تلك التيارات، وأتذكر أن إحدى الندوات قد عُقِدَ مؤتمر عن القضية العربية، وأذكر ممن حاضروا حينها: أسامة الباز ونبيل شعث وغيرهما من الأسماء، وكانت توجهاتهم حينها قومية، وربما بشكل متطرف إلى حدٍ ما، ولكن تبدل الوضع فيما بعد، وتصيبني الحيرة حول هذا التحول، بالنسبة للطلاب السعوديين حينها كانت هناك مجاراة أيضًا لما يحدث وتفاعل معه، وأظن أنها كانت فترة مراهقة سياسية.

في تلك الفترة، هل تمكن الطلاب العرب من التعرف على الجو السياسي في الولايات المتحدة؟، وهل حاولوا التأثير في القنوات والمؤسسات الموجودة أم كانوا منطوين على أنفسهم؟، وكيف كنتم تنظرون إلى الآليات التي يتوسلها اللوبي الصهيوني هناك؟

في مينيابوليس؛ كانت المنظمات أو الجماعات التي تضم العرب منكفئة على نفسها، حتى عندما يقيمون مؤتمرات أو ندوات كانوا يخاطبون أنفسهم، ولم يكن هناك تواصل مع برلمانيين أو أشخاص في النظام السياسي.

أنا تعلمت درس كبير من عائلة أمريكية سكنت عندهم لعدة أسابيع بترتيب من الجامعة، وفي الحقيقة كانت عائلة كريمة، ولا زالت لدي علاقات معهم في المناسبات حتى الآن، وهذا أعطاني فكرة بأن النظر إلى سياسة أمريكا وعربدتها في الخارج هو ما يعطي الصورة القاتمة لها، على خلاف المعايير التي ينادون بها في الداخل، وأنا قد حضرت فترة ما يسمى بثورة الطلاب ضد الحرب على فيتنام، وهذا جزء من الخلل.. إذ يتم تدريس قيم العدالة والحرية والمساواة وفي نفس الوقت تكون سياساتها الخارجية مناقضة لكل ذلك، وقد تحدث عن نفس هذه الفكرة، د. فؤاد زكريا في كتابه ”العرب والنموذج الأمريكي“.

لا يمكن تصور أن أمريكا بكل أطيافها هي الخصم، فالسياسة الأمريكية الخارجية تختلف تماما عن أمريكا من الداخل، وانا لازلت أعتز بعدد من الأساتذة والأصدقاء في أمريكا الذين أشهد لهم بالنزاهة والامنة وغيرها من الصفات الحميدة، وأنا كنت من المعجبين بالقيم الأمريكية المتعلقة بالحرية والعدالة واستقلال القضاء والمحكمة العليا ونقاشات الكونجرس، ومكتبة الكونجرس التي تضم من شتى صنوف الكتب وإصداراتها، وبالمناسبة فقد وجدت ليّ في فترة متأخرة حوالي 30 لإصدار من إصداراتي في مكتبة الكونجرس.

أطروحات سعودية

- يُلاحظ أن العديد من الأطروحات السعودية التي قدمت، خاصة في عدد من الجامعات الأمريكية، كأنها حاولت أن تتعرف إلى أحوال المملكة والمجتمعات العربية عبر أطاريح طلابها، بمعنى أنكم حينما ذهبتم إلى هناك لم تحاولوا التعرف على كيفية عمل المؤسسات في الوايات المتحدة، كالبرلمان أو وزارة الدفاع أو مؤسسة الرئاسة أو حتى الصحافة ومؤسسات الإعلام، ولم نجد دراسة  إلا في النادر  يعكف على كتابتها باحث عربي في هذا الشأن.

- في فترة من الفترات لم تكن هذه واردة، وأذكر أنني قد حاولت أن أكتب أطروحتي للدكتوراة عن المملكة، ولكن تعذرت عليّ المعلومات لأسباب كثيرة، وفيما بعد كان هناك تشجيع كبير من التعليم العالي لأن تكون الأطروحات عن المملكة، وكانت هناك رغبة للاستفادة من هذه الأطروحات في المجتمع السعودي.

نريد منك أن تعقد لنا مقارنة بين مخرجات الجامعات الأمريكية في الستينات والسبعينات، حيث كنت هناك حينها، وبين المخرجات الحالية، وكيف تقيسها من خلال الطلاب السعوديين اليوم؟

قد أكون متحيزًا للحقبة التي كنت فيها هناك، ولكن أود القول إن الرعيل الأول الذي ذهب إلى الولايات المتحدة ربما وجد الفرص متاحة أمامه أكثر، وكان من الممكن أن يكتب أطروحاته في أيّ موضوع يرغب، ولم تكون أيّ قيود بالنسبة للطالب.

وقع النكسة

كيف كان وقع هزيمة 1967م على نفوسكم وأنتم هناك؟

سؤالك يثير شجوني الآن، أتذكر أنني كنت أتابع عن طريق التلفاز اجتماعات مجلس الأمن، وكان أبا إيبان هو وزير خارجية الكيان الصهيوني حينها، ومن المعروف أنه كان مفوهًا ومستشرقًا وكان يبدو لنا أنه متفوقًا على الجميع أو كما نقول ”واكل الجو كله“، في الحقيقة فقد صُدِمنا صدمة كبيرة بنكسة 67، وحينا اعتزلت الشعر لبعض الوقت، احتجاجًا على ما حدث واعتبرت أن الشعر كان من بين الاسباب التي أدت إلى النكسة، فاعتزلته لعدة سنوات قبل أن أعود إليه مجددًا.

ذكريات مع غازي القصيبي

عدت من واشنطن إلى الرياض في سنة 1390 هـ، كانت الجامعة قد كبرت وتعددت كلياتها، الملاحظ وقتذاك لمن تردد على هذه الجامعة ودرس في كلياتها من أمثالي، أن ثمة معركة دارت في الخفاء بينك وبين الدكتور غازي القصيبي، الذي أصبح عميدًا للكلية.

نريد منك أن تتحدث لنا عما جرى، هل هناك شيء من الغيرة أو علاوة الشعراء التي هي بئس المقتنى كما يقول الشاعر، أم ماذا؟

في تلك الفترة، كان هناك بعض الزملاء أسبق منّا في العودة إلى الكلية، وبعدما عدت أنا، التحق الدكتور غازي بالكلية، وكنا مجموعة صغيرة جدا، أنا والدكتور غازي والدكتور سليمان السليم والدكتور محمد الملحم، وكان قبلنا الدكتور محسون جلال «غفر الله له»، وكانت الأضواء مسلطة على الكلية في تلك الفترة بطريقة عجيبة جدا، وهذه مسألة محيرة وكأنه كان متوقعًا أن تصبح معهدًا للوزراء، وأنا أتذكر من بين المواقف خلال الأمسيات التي كانت تعقد في تلك الكلية، أنني كنت ألقي قصيدة طويلة أقول فيها: ”قف في عليشة «كانت الكلية في عليشة» بين الماء والرطب.. واظفر بكل معاني الحسن عن كثر“، إلى أن ذكرت الزملاء دون الإشارة إليهم بالأسماء، وكان هناك بيت يقول: ”بين منصرفٍ للعاليات من الألقاب والرتب“، وغازي كان هو من بين المنصرفين إلى العاليات من الألقاب والرتب، بالرغم من أن هذا كان قبل الوزارة بسنوات، لكن كان عندما أصبح وجهًا إعلاميا في البلد إلى حدٍ ما، حيث كان يقدم برنامجًا في التلفزيون مع الدتور سليمان السليم، وأنا لم أقصد غيرة أو أي شيء، بل على العكس كان غازي وغيره من الزملاء يأخذون مثل هذه القصائد بصدر رحب.

لكن حينما عُيِّنَ الدكتور غازي في السكة الحديد، أنت قلت قصيدتك الشهيرة ”مال السياسة ما لها.. وإدارة السكك الحديد“.

بيني وبين غازي أشياء كثيرة، وهناك أشياء ربما يحتفظ هو بها، فأنا للأسف الشديد ضيّعت معظمها، وهذه ليست القصيدة الوحيدة، ربما هي التي صارت متداولة بين الناس، وأذكر أنه قد كتب لي أبيات قال فيها: ”هي كراسي تدور.. خلي أعصابك في ثلاجة.. واتخذ لك اسمًا.. الرجل الصبور“، للأسف لا أتذكر الأبيات بدقة.

وبخصوص تعيينه في السكة الحديد؛ يومها أقمنا حفلة بالكلية للاحتفال بذلك، وفي اليوم السابق للحفلة، كنا في وقت صلاة الظهر وبعد الصلاة قال غازي لي: ”أعلم أن لديك قصيدة، لا أريد إلا أن تقول لي بيت واحد منها“، وذلك على أساس أن يجاريه، فقلت له بيت ”مال السياسة ما لها.. وإدارة السكك الحديد“، وللإنصاف فقد أجاد إلى حد كبير في مجاراته لي بقصيدة أطول مني، وعلى نفس القافية، وهذا دليل على براعته في الشعر.

ماذا قلت؟، وكيف رد عليك الدكتور غازي؟

أنا قلت في قصيدتي:

قل للمعلم والعميد

لك ما أردت وما تريد

أخشى من التأويل

إن صرّحت أن اليوم عيد

فرح العميد وبارك

الأستاذ وابتهج المعيد

ما للسياسة ما لها

وإدارة السكك الحديد

هل غدوت كسينجر

يُختار كالعلم الفريد

وصل السياسة

بين منصبه القديم إلى الجديد

فإذا بعدت فإنه

ما كنت يوما بالبعيد

إن كان عهدك بيننا

ما كان بالعهد السعيد

فرد الدكتور غازي القصيبي بقصيدة يقول فيها:

الحمد لله المجيد

يقضي ويفعل ما يريد

فبأمره وبفضله

سرنا إلى السكك الحديد

نعنى بأحوال القطار

يسير من بيد لبيد

فن الإدارة ليس

من فن السياسة بالبعيد

فالكون تحكمه السياسة

في القديم وفي الجديد

فإذا شكوت بما أقول

وانت ذو رأي سديد

فإسأل سليمان السليم

فإنه رجل رشيد

وقد تطرق في القصيدة إليّ، بشيء من الغمز وشيء من الدعابة، إذ قال:

وأسامة سأظل أذكر شاعر العرب المجيد

كان يصمت كالجدار، فلا يقول ولا يعيد

حتى تفجر بغتة فأتى بأبيات النشيد

وأتى بأشعار كأشعار الحطيئة أو لبيد

اختلاف بلا خلاف

إذن كان الجو محمومًا بالمنافسة على كل الأصعدة، سواء التوثب إلى مقاعد الإدارة في الدولة، أو حتى استعراض الطاقات والمواهب؟

نعم، لقد كان هذا واردًا إلى حد كبير، فقد كان الحضور والتفاعل موجودًا بشكل جيد في الكلية، ربما كانت هناك بعض الاختلافات في وجهات النظر بيني وبين غازي، وربما قد تطرق إليها في كتابه ”حياة في الإدارة“، ولكن على أيّ حال أنا لازلت أحتفظ بنسخة لنفسي، من باب المودة التي أكنّها لغازي القصيبي.

أنت تعتبر أن هذا الكتاب بعيد عن علم الإدارة.

لا تدخلني في قضية خلافية، فأنا أعتبر أنه كتاب جيد في السرد والطرح، ولكن أعتقد أن هذه الفترة كان بها ما يمكن أن يسمى بالمراهقة الفكرية أو الحماس المنقطع النظير، وقد ينشأ عن ذلك بعض الخلافات في وجهات النظر.

آفة البيروقراطية

إذن هل ما كتبته في كتابك ”المدير العام والأربعون إداري“ فيه من الحياد والموضوعية؟

كنت أتوقع منك هذا السؤال، لكن أقول أن ”المدير العام والأربعون إداري“ هي أقل قيمة من وجهة نظري، ومن وجهة نظر كثيرين، كان من المفترض أن يكون هذا الكتاب امتدادًا لصور من البيروقراطية النفطية، لكن دخلت عليه تأويلات وخلط في التصورات، وأن هذا الكتاب يحمل وصفًا ينطبق على ألف أو باء، لكني أعتبره أنه من أقل الكتب جهدًا وأقلها قيمة، ولكن كتابي ”صور من البيروقراطية“ لم يتم الالتفات إليه كثيرًا، بالرغم الإشادة به من قبل بعض القامات، فالأستاذ تركي بن خالد السديري كان من الناقمين على البيروقراطية وهو ممن شجعوني على تأليف كتاب لنقد البيروقراطية، وبالرغم من أهمية الكتاب إلا أنه ما من أحد قد التفت إليه، وأظن أن هذه آفة الثقافة العربية.

أشرت إلى كتاب البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية، فهذا الكتاب صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، ثم أصبح علامة بارزة في الإصدار التأليفي لتجربة أسامة عبدالرحمن، فلماذا تميّز هذا الكتاب بهذ الاهتمام؟، هل لأنه لامس امراض التنمية في المنطقة أم لأنه كان ثمرة لتضافر الجهود في ندوة عقدت في إحدى دول الخليج حول هذا الصدد؟

هي في البداية كانت ندوة، ثم سمِّيَت منتدى التنمية، وقد طُلِبَ منّي أن أحضر ورقة للمشاركة بها، وأنا أعتقد أن هذا الكتاب قد لاقى صدى كبير لأنه في فترة مبكرة بعض الشيء مقارنة بالكتب التي تصدر في المنطقة او عن المنطقة، وأنا أعتقد أن الكثير من القضايا  وليست كلها  المثارة في هذا الكتاب، قد تكون لازالت قائمة حتى الآن.

عملية التنمية

- ألمس هنا وكأن لك رأي في عملية التنمية، خاصةً وأنك كنت واحدًا من المستشارين البارزين في وزارة التخطيط، إبان وزارة الأستاذ هشام ناظر.

- في الواقع كنت مستشارًا في فترة أبكر من ذلك، كنت أنا والدكتور غازي والدكتور سليمان والدكتور الملحم، مستشارين غير متفرغين في وزارة المالية، ثم أصبحت مستشارًا في ديوان الموظفين العام «ديوان الخدمة المدنية حاليا»، ثم في وزارة التعليم العالي، ثم في وزارة التخطيط، التي حاولت في فترة متأخرة أن تلامس الجانب الثقافي، وأنا أعتقد أنه حتى عندما لامسته كان ذلك بشكل خجول وعلى استحياء.

- ألا تجد هنا أن ثمة فجوة ثقافية ما بين خطط التنمية والمجتمع الذي تلقاها على حين غفلة؟، فهناك من يقول أن معهد ستانفورد قد ساهم في وضع الخطط العامة للتنمية، ولكن لم يقترب من روح المجتمع السعودي، وبالتالي تم إغفال ملامح خصوصية هذا المجتمع.

- انا أتصور أن قضية الثقافة قد عولجت على استحياء أو على نطاق ضيق، وبأيّ حال هذه الإشكالية لا تزال قائمة حتى الآن، وهي موجودة في العديد من الدول النامية أيضا، حيث يجري التركيز على الجانب الاقتصادي لأنه محصلته هي التي تكون ملموسة بشكل كبير، وكأن القياس يتم على العامل الاقتصادي فقط، فيما يُنظر إلى العامل الثقافي على سبيل الطرف الفكري، وإن كنت أعتقد أنه أهم من العامل الاقتصادي لأنه يدخل في إطاره كل المجالات الأخرى بما فيها السياسية والاقتصادية.

هل لهذا السبب كتبت كتابك الشهير ”المثقفون والبحث عن مسار“؟

إلى حدٍ ما، وقد كتبته على أساس أهمية وحيوية دور المثقفين، وكان من المفترض أن يكون التركيز كبيرًا على دور المثقفين في صياغة الوعي المجتمعي، وليس بالضرورة البحث عن الشهرة أو الأضواء، وأعتقد أن هذا كان غائبًا ولازال غائبًا حتى الآن.

منهجية التأليف

رغم وجود عدد من الأبحاث الأكاديمية المهمة التي أشار إليها باحثون وأكاديميون أمريكيون، لكن مما يؤخذ على الدكتور أسامة عبدالرحمن في العديد من مرلفاته أنها تفتقر إلى المنهج العلمي، فهي في الغالب كتابات ذاتية ذات ملمس انطباعي، هل التكوين الشعري قد أثرّ على شخصيتك في هذا المجال؟

بداية فإن نسبة ليست بالقليلة من كتبي هي من بين أكثر الكتب مبيعًا، وأنا قد أمضيت سنوات في الدراسات الأكاديمية البحتة، وحصلت على الترقية لدرجة الأستاذية خلال 9 سنوات، وبعض كتبي في تلك الفترة أشاد بها بعض الأساتذة ممن كنت أطوق إلى حضور محاضراتهم في بعض الجامعات الأمريكية، وبعد كل هذا الإنجاز الأكاديمي؛ ستجد في مقدمة كتب مثل ”البيروقراطية النفطية“ و”صور من البيروقراطية“ و”الثقافة بين الدوار والحصار“ أنها ليست مرتكزة على الناحية المنهجية التوثيقية، وذلك لأنني وجدت أنه من الواجب ألا يكون الأكاديمي أسير الأسوار الأكاديمية، وأن ينطلق إلى القاعدة المجتمعية، ويجب أن يخاطب قاعدة مجتمعية أوسع، لذلك هذه الكتب ليس فيها من منهجية توثيقية، ولا أدعي أن فيها ذلك، ولكن أظن أن فيها بعض الطرح الجرئ وذلك لإثارة شيء من الوعي وتحقيق بعض النضج.

هل بسبب ابتعاد المناصب عن الدكتور أسامة عبدالرحمن، نجده قد انحاز إلى جانب المثقف النقدي والشاعر الذي تلتهب أبياته؟

ليس بالضرورة قد انحازت المناصب عني، ففي بعض الاحيان قد انحزت أنا عنها، فقد قربت مني المناصب في كثيرٍ من الاحيان، ولكني تذرعت بأنني أكاديمي وأميل إلى النشاط الأكاديمي.

نريد أن نختم بواحدة من معاركك الأدبية كشاعر؛ فهناك الدكتور منصور الحازمي يقول بأن شعر أسامة عبدالرحمن قد ظهر فيه التكرار، تحديدًا في أشعارك التي نشرتها في جريدة الرياض الأسبوعية عام 1983م، فبما رددت عليه؟

أنا رددت عليه، ويومها تمنَّى عليّ الدكتور غازي القصيبي لو أنني لم أرد عليه، وفي الحقيقة فإن الدكتور منصور الحازمي صديق عزيز، وحتى عندما أراد إصدار كتابه ”مواقف نقدية“، سألني حينها هل يضع تلك المقالة ضمن مقالاته النقدية التي جمعها في الكتاب، فأخبرته بأن يضعها، فأنا لا أنكر ظاهرة التكرار، بل أنا أعتب على بعض الإخوان، بما فيهم الأخ حسن بن فهد الهويمل، بأنهم يمسكون ديوان معين، ثم يعطون حوله إنطباع عام حول كل الشعر الذي أنتجه الشاعر.

في الختام؛ نراك تكتب كثيرًا عن فلسطين، فما هو دور القضية الفلسطينية في شعر أسامة عبدالرحمن؟، هل هذا بسبب تعرفك على عائلة فلسطينية قديما في المدينة المنورة في مقتبل عمرك؟

ثلث قصائدي تقريبًا عن فلسطين، وقد صادف وأنا في سن الخامسة أن لجئت عائلة فلسطينية إلى المدينة المنورة وصاروا جيراننا، وفي الحقيقة هذا قد أثرَّ عليّ كثيرًا، حيث صار هناك تواصل بين العائلتين، وكان هناك نقاش مستمر حول الكوارث والمآسي التي تحدث في فلسطين، فأنا أتصور بأن هذا سبب رئيسي في ترسيخ هذا الموضوع في ذاكرتي.