آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 10:44 م

في الركعة الأخيرة من منعطفات الحياة

أثير السادة *

قليلة هي المرات التي أقصد فيها المسجد المجاور للصلاة، هذا المسجد الذي تأخر موعد افتتاحه واكتمال بنائه، كنت أطمع وأنا أنتقل إلى هذا الحي أن يعرف الصغار الطريق إليه في باكر عمرهم، ليس من أجل أن يصبح الواحد منهم ”تربة مسجد“، بل ليكون الله في ذاكرته هو الصديق القديم الذي يحن إليه. أقول لكبيرهم ستكون أول من يؤذن فيه، كان يومها يضحك بقلق، وأنا أضحك كشجرة صغيرة حركتها الريح، تذكرت رجليَه وهما يرتجفان في أول تجربة مع الأذان، والصديق أمين عباس وهو يدوزن هذا الخوف في أول حصة من حصص التدين.

منعطفات الحياة كثيرة، وقد وجدت في المساجد واحدا من المنعطفات المثيرة في سنوات النضج، كان يمكن أن لا يعرفني المسجد بعد دخولي الأول إليه طفلا بثياب ملطخة ببقايا اللعب في الأزقة، أحد أبناء الجيران الذين يكبروننا بعشر سنوات يومها تركني أسير عبارات الاستهجان والتوبيخ، البهجة ببرودة المسجد الصغير قتلتها نظراته وعباراته، غير أني كأي طفل غر عدت مجددا مجربا الاصطفاف مع الجماعة، ومحاكاة الكبار في المسجد الذي لا يبعد سوى بضع خطوات من البيت.

كمن يحاول صقل إيمانه أدلف للمسجد بين وقت وآخر، أرى الله حاضرا في المسجد وخارجه، لكني أجرب المشي إلى هناك لأنظر إلى أصدقاء الله الجدد، وأنظر إلى ظلي الذي ركن في زواياه عقودا في وحشة الانتماءات والجماعات التي عرفتها المنطقة في الثمانينات والتسعينات، ثوبي الأبيض كان يتلون في كل مرة بألوان الشعارات، نجوب المدينة بحثا عن مسجد جديد هو بمثابة رسم خارطة أكبر للجماعة التي صرنا ننتمي إليها.. أنظر في تفاصيل المصلين وفهارس أمنياتهم فأرى بعضا من حكايا الأمس، لا تبدو عربة التدين اليوم مليئة بصراعات الأمس، حتى القسمة غير المعلنة للمساجد بين الجماعات لم تعد تتخذ لها شكلا فاقعا، كنس الوقت بعض الأوهام التي انهارت مع انهيار المشاريع القديمة.

كانت الصفوف قليلة، وإمام الجماعة الذي تأخر قليلا اختار إيقاعا سريعا للصلاة، تذكرت حينها إمام المسجد القديم وهو يطيل في صلاته، ويفرط في ترويضنا على الصبر، أذكر بأني كنت الوحيد خلفه في بعض الظهيرات، أتقدم منه بخطوات كما يليق بجماعة لا تتجاوز الاثنين، الإمام والمأموم، سنين طوال أمضيتها في الصلاة معه غير أن العلاقة لم تتجاوز حدود التحية الباردة، ربما رماد الصراعات كان الباعث عليها، أقول في نفسي، ينتابي شعور مرات بأني ولهذه القسمة في خارطة التدين كنت خارج الحسابات في هذا المسجد!، المسجد الذي سقينا أشجاره حتى في أيام المطر!.

بين الفرضين كان إمام الجماعة يصلي النافلة، ويصلي معه أهل المسجد متابعة، لا أذكر شيئا كهذا في دفاتر الأمس، كان المصلون يتفرقون في المكان وينشغل كل واحد منهم إما بالنافلة منفردا أو بقراءة القرآن، أو بالحديث مع الأصدقاء كما كنا نصنع في ذلك المسجد الذي كان يمتاز بالفناء الخارجي، الهواء الثقيل في الخارج يشبه زفير الآخرة غير أن شهوة الحديث تغرينا بالجلوس خارج المسجد، إلى ان يذكرنا صوت الإقامة بقرب الصلاة.. كنا في بعض الأحيان نذهب للمسجد حتى نكمل القصص التي بدأناها في الأمس، حتى نأنس بأحاديث أصدقاء لا نراهم إلا هناك.

بينما أنشغل بهاتفي المحمول متفقدا بعض النصوص والصور تتهيئا الصفوف للفرض الثاني من الصلاة، يعتدل كل واحد منهم في جلسته قبل أن يقف في ختام الإقامة، الصفوف لم تعد صفوفا متراصة، بل مليئة بالفجوات التي لا تشبه إلا الصلاة في زمن الكورونا، ينالك شيء من الاستيحاش لمشهد يخلو من دفء الأكتاف المتلاصقة، وتلك الأيدي التي تبالغ في المصافحة بعد كل فرض، حيث يصافح الناس بعضهم بعضا الآن بالنظرات فقط، لن تستدير الآن إلى من هو خلفك لتقول له ”غفر الله لك“، ولن تنشغل بمصافحة أكبر عدد حولك، عليك فقط أن تحمل سجادة صلاتك وتحرس الهواء الخارج من رئتك وترحل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عصام المرهون
[ القطيف ]: 18 / 7 / 2021م - 1:50 م
اسلوب راااائع .. لك مني كل التحية